أمضت مهندسة أميركية ثلاثة أشهر في دراسة سبل خفض الانبعاثات الكربونية في مركبات شركة سيارات ألمانية شهيرة. زارت المصانع، وقابلت المختصين، ثم وقفت أمام المديرين في ميونيخ، وبدأت كعادتها بعرض توصياتها بشكل مباشر في بداية العرض التقديمي. هنا دُهِش الألمان، ثم أمطروها بوابل من الأسئلة: كيف توصلتِ إلى تلك النتيجة؟ كم شخصاً قابلتِ؟ وما منهجية البحث والتحليل؟ شعرت بأنهم يشككون في كفاءتها، بينما كانوا يريدون معرفة كيف قفزت إلى التوصيات من دون أن تشرح الأسس التي بنت عليها استنتاجاتها. وانتهى الاجتماع برفض مقترحاتها.
تلك القصة ذكرتها الباحثة إيرين ماير في كتابها الماتع «خريطة الثقافة» لتبين أن قوة الحجة لا تكمن في مضمونها فحسب، بل في الطريقة التي نبني بها استنتاجاتنا. فهي تفرق بين من يبدأ «بالمبادئ» فيبني الأساس والمنطق قبل النتيجة، ومن يبدأ «بالتطبيق» فيفضل المثال العملي أو النتيجة ثم يقدم ما يسندها من تفاصيل. فالألمان، كما تصفهم، يريدون فهم الأسس والبيانات قبل النتيجة، بينما يميل الأميركيون إلى البدء بالتوصيات والأمور العملية. إذن هناك من يبدأ من العام ليصل إلى الخاص، أو العكس تماماً.
وقد ذكرني ذلك بأول كتاب أكاديمي أميركي اطلعت عليه، قبل ثلاثة عقود، إذ لاحظت ميل المؤلفين إلى وضع عبارة جامعة لفكرة الفصل في مقدمته تسمى thesis، وتضم كل فقرة جملة رئيسية تلخص موضوعها تسمى topic، ثم تُسخّر ما يليها من أمثلة وأدلة لتدعيمها. رأيت في ذلك نسقاً مختلفاً في بناء الحجة لديهم، وما زلت أطبقه في كتاباتي العربية، لأنه أقرب إلى طريقة تفكيري.
وتضع ماير هذه الاختلافات على أساس «مقياس الإقناع»، وهو خط أفقي تضع على يمينه الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا وأستراليا وهولندا التي تميل نسبياً إلى الجانب التطبيقي، فيما تميل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وروسيا وألمانيا أكثر إلى البدء بالمبادئ (يسار المؤشر). وهناك ثقافات بينهما مثل الدول الإسكندنافية والأرجنتين والبرازيل.
وفي حقل التعليم نرى ذلك جلياً، حيث يتعلم بعض التلاميذ المبدأ الرياضي وبرهانه قبل تطبيقه. ويتعلمون قواعد اللغة قبل المحادثة، فيما يبدأ آخرون بالمحادثة ثم يستخلصون منها القواعد.
في بناء الحجة ليست هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة، فمعظمنا قادر على استخدام الطريقتين، لكننا نميل بحكم التعليم والثقافة والتجارب إلى إحداهما أكثر من الأخرى. فنجد حتى الأخوين يفضل أحدهما الزبدة (النتيجة) في حين يرى الآخر أن محدثه لم يدعم رأيه بالأساس الذي بنى عليه حجته. هنا تُرفض وتُهمل اقتراحات كثيرة. غير أن من يقدر الاختلاف ويكيف حجته مع مستمعه، يصبح أقدر على التأثير والإقناع.
