كثيراً ما اعتبر البعض أن التوجُّه السياسي هو العامل الحاسم، وأحياناً الوحيد لتحقيق التقدم أو النصر على الخصوم والأعداء، وكثيراً ما قدَّس البعض الآخر أنساقاً آيديولوجية مغلقة ودافعوا عنها حتى الموت، متصورين أنها طريق الخلاص في الدنيا والآخرة. وقد كان لهذه العقائد واللافتات بريق وحضور في بدايات القرن الماضي مع ثورات آيديولوجية كبرى في روسيا والصين وغيرهما، واعتبرت طريق التغيير والتقدم حتى خفت حضورُها، وبات من الصعب القول مع نهايات القرن الماضي إن التوجُّه السياسي يكفي لتحقيق التقدم، وإن النظم الناجحة هي التي تمتلك منظومة أخرى تحدد تقدمها، وهي كفاءة المؤسسات ومهنيتها وفاعليتها والإيمان بالعلم، وهي منظومة محايدة ويمكن أن توضع على أي لافتة آيديولوجية وتكون المعيار الحاسم في نجاحها.
والحقيقة أن أي «مسح» لخريطة النظم السياسية المختلفة في العالم يشير إلى أن النظم الناجحة هي التي بنت منظومة إدارية ومؤسسية كفؤة بصرف النظر عن توجهها السياسي. فبلاد مثل الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي اختلفت كثيراً عن تجارب الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، والتي سقطت تباعاً منذ نحو ثلاثة عقود، لأنها حرصت على أن تكون جزءاً من النظام العالمي وتندمج فيه بشروطها، وأن تمتلك بنية مؤسسية منظمة وتؤمن بالعلم والمهنية، فمن إشارة المرور التي تُحترم في أصغر شارع في الصين، إلى مؤسسات صناعية وإدارية كفؤة وجامعات ومؤسسات بحث علمي رفيعة المستوى.
إن انهيار النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي والنظم العسكرية في أميركا الجنوبية يرجع في جانب رئيسي منه إلى غياب الكفاءة والمهنية التي اعتبرت في النظم الأولى قيماً «إمبريالية»، وتحولت إلى نظم بيروقراطية فاشلة مختبئة خلف راية آيديولوجية، على عكس تجربة الصين التي آمنت بالمهنية والعلم رغم عدم ليبرالية نظامها، أما الثانية فلم تُعرها اهتماماً يذكر لأنها انشغلت بقمع الناس والتلصص عليهم أكثر من بناء مؤسسات كفؤة تحل مشاكلهم اليومية.
وإذا نظرنا إلى تجربة أخرى أمعنت في ألوان مختلفة من الشعارات الآيديولوجية البراقة فلن نجد أوضح من الشعارات التي رفعها نظام القذافي، وحول معها الجيش إلى كتائب، وتصور الرجل أن شعارات الكتاب الأخضر بديل عن كل قواعد الإدارة والعلم والمهنية التي يفترض وجودها في أي دولة حديثة.
وتكفي مقارنة النظام الذي تأسس في ليبيا على مدار 42 عاماً في دولة نفطية ثرية، بدول الخليج التي أنفقت مداخيل النفط على جهاز إداري حديث ومؤسسات مهنية كفؤة كانت أساس النجاح بعيداً عن التوجُّه والشعار السياسي، حتى أصبح من الممكن وضع الكفاءة والمهنية قبل توجهات أي نظام سياسي، وهي التي ستحدد نجاحه من عدمه.
والحقيقة أن الدول في عالم اليوم التي حققت اختراقات في واقعها ونقلت مجتمعها وشعبها خطوات إلى الأمام هي التي اهتمت بإصلاح المؤسسات وكفاءتها، فإصلاحات الرئيس رجب طيب إردوغان في تركيا مثلاً لم تأتِ فقط أو أساساً بسبب قوة حزبه ولا قرب شعاراته الآيديولوجية لقطاع واسع من الشعب التركي، إنما بالإصلاح المؤسسي لأجهزة الدولة.
وإذا ذهبنا إلي أقاصي القارات فسنجد أن الرئيس البرازيلي إغناسيو لولا دا سيلفا نجح وعاد للسلطة مرة أخرى، ومن الوارد أن يُعاد انتخابه مرة رابعة بفضل إيمانه بالمؤسسات ودعمه لمهنيتها وحيادها على خلاف سلفه الذي خسر الانتخابات وأدين بالتحريض ضد قواعد عمل هذه المؤسسات والاعتداء على حيادها ومهنيتها، الفارق بين الرجلين ليس فقط أو أساساً الفارق بين اليسار واليمين وبين الاشتراكي والرأسمالي، إنما بين من احترم الكفاءة والمهنية والإصلاح الإداري والشرطي ودعم السلطة المدنية على حساب السلطة العسكرية، وبين العشوائي الذي كسر القواعد المهنية والقانونية والإدارية.
نجاح رئيس محافظ في العالم الإسلامي كالراحل مهاتير محمد لم يكن راجعاً لأنه صاحب توجُّه إسلامي مثل عصا سحرية لنجاحاته، إنما لكونه آمن بالعلم وبالكفاءة والإنجاز وبنى نموذجاً يؤمن بالقانون والعدل الذي شكَّل خلفية نجاح لأي توجُّه سياسي وحقق في النهاية نجاحاً باهراً نقل بلده إلى مصاف الدول المتقدمة في 20 عاماً.
على كثيرين في العالم العربي أن يعرفوا أن تجارب النجاح ليست نتاج لافتة آيديولوجية، إنما منظومة مبادئ وقواعد باتت أقرب إلى الحقائق العلمية في الإدارة والقانون والبحث العلمي وكفاءة المؤسسات، وأن الاهتمام بهذه المنظومة بات فرض عين على الجميع لأنه هو الذي سيحسم تقدمنا وليس المعارك الآيديولوجية.
