نعتقد أننا في لحظة دقيقة جداً من تاريخ العلم والتكنولوجيا وماهيتهما وسقفهما تقودنا إلى التساؤل عن إلى أي حد يمكن أن تكون علاقة الإنسان بالتكنولوجيا كعلاقة الساحر بالسحر، وإمكانية حدوث الانقلاب المكروه؟
منذ فترة والعالم يُمجّد الذكاء الاصطناعي، وكلنا تقريباً اندهشنا بهذا الابتكار. ولكن، لو راجعنا دهشتنا قليلاً، لربما لاحظنا أنها دهشة ممزوجة بشيء من الخوف، أو بشكل أدق: تخوُّف.
ليست المشكلة فيما قد يطرحه أي ابتكار، سواء كان دواءً أو آلة أو تقنية، من مخاوف وسلبيات؛ فذاك أمر متكرر في تاريخ الابتكارات كافة تقريباً. ولعل مثال الدواء وحده كافٍ ليدعم هذه الفكرة، حيث إن ثنائية العلاج والآثار الجانبية كانت دائماً في تلازم. وفيما يخص ما قيل في الذكاء الاصطناعي من تهديدات تتعلق بقدرته، إذا ما تم سوء استخدامه، في تزييف الواقع، والقضاء على مهن عدة وإحالة الآلاف مستقبلاً على البطالة، فضلاً عن مخاطره في مجال الأسلحة والتجسس، وانتهاك الخصوصية، وصولاً إلى انتهاك حقوق الملكية الفردية ومس تفرّد الإنسان في الإبداع... إلى جانب كل هذه الصيحات القلقة والطبيعية جداً، التي يمكن أن نجد لها حلولاً لو توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، فإن الخطورة الكبرى التي تستحق التوقف عندها ملياً والقيام بالفرملة اللازمة هي الخطر الوجودي للذكاء الاصطناعي، الذي تفسره النقاشات العلمية المحتدمة من أشهر قليلة بفكرة رئيسية: أن يتطور الذكاء الاصطناعي إلى حد يتفوق فيه على الذكاء البشري بأكمله، مما يؤدي إلى فقدان البشر السيطرة على مصيرهم، أو حتى انقراض الجنس البشري.
الخطر من دون زيادة أو نقصان يتمثل في تبني شخصيات علمية، ذات باع في التكنولوجيا، لسيناريو قدرة الذكاء الاصطناعي، إذا ما لم يتم منع ذلك، على إفناء البشرية. وللعلم، فإنه من فرط عدم قدرة تصديق كثير من الناس لهذا السيناريو، فإن الاستخفاف والضحك على الفكرة كانا حاضرين بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي. والحال أن هناك مؤشرين يفرضان الجدية في التعاطي معه، وهما: أولاً: القيمة العلمية لأصحاب سيناريو خطر الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري في المستقبل القريب، وثانياً: أن هذا الخطر يمس وجود الإنسان، وليس فقط تحديات يتقاسمها الذكاء الاصطناعي مع ابتكارات أخرى كثيرة. ويمكن تلخيص أبعاد الخطر المعلَن في نقاط عدة، أولها: معضلة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، التي تفيد بأنه بمجرد أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري العام، سيكون بمقدوره إعادة برمجة وتطوير نفسه بسرعة فائقة. هذا سيؤدي، حسب أصحاب السيناريو الكارثي، إلى ولادة «ذكاء اصطناعي فائق» يتجاوز القدرة الاستيعابية للبشر بمليارات المرات. وهذا يعني أنه يمكن أن تحدث ما يسميه التكنولوجيون المحذّرون بـ«فجوة الفهم»، أي أنه لن يتمكن العقل البشري من فهم كيفية اتخاذ هذا النظام لقراراته أو التنبؤ بأفعاله.
وفي مقابل الخوف من حدوث نتائج غير مقصودة ولكنها كارثية على البشرية، فإن الفريق المضاد يرى في الخوف المشار إليه مبالغة، ويطرح للمجادلة خوفاً آخر يتمثل في تأخير الفوائد المنقذة للبشرية، إذ ستبطئ تطوير تقنيات قادرة على حل معضلات وجودية حقيقية نعيشها اليوم.
وفي هذا السياق، يقود العالم، يان ليكون، رئيس علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» جبهة المعارضين فكرياً؛ حيث يرى ما مفاده أن الآلة تظل أداة مصمَّمة بدقة لتنفيذ الأوامر، والحديث عن تمردها هو إسقاط للمخاوف الإنسانية على البرمجيات.
وهنا السؤال: هل تستقيم المخاطرة بعدم تأجيل الفوائد التي قد تكون منقذة للبشرية، في ظل وجود خطر حدوث نتائج غير مقصودة تقضي على مليارات من البشر؟
نعتقد أن الخطر أثقل بمليارات المرات من الفوائد الممكنة، خصوصاً أن عدم تبني استراتيجية أخلاقية عالمية تضع أدوات تتحكم في الذكاء الفائق، وتكبح البُعد الفائق فيه سيؤدي إلى ما يدحض الفوائد نفسها.
لقد تناولت المخاوف التي يستند إليها الفريق الداعي لفرملة الذكاء الاصطناعي، ووضع هدنة لرسم الحلول اللازمة، ما هو أكثر فزعاً، وهو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الفائق، مع تنامي ذكائه، مقاوماً للإطفاء، وقادراً على تعزيز نفسه ذاتياً مع تطوير تلقائياً آليات للدفاع عن نفسه على غرار خداع المبرمجين البشريين وإخفاء مخاطره حتى يضمن عدم إغلاقه.
من المهم أن نتنبه أيضاً إلى أن الحديث عن مخاطر أي ابتكار في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بشكل عام كان يتعلق بالأساس بسوء استخدام الإنسان والانحراف به إلى غير الوظيفة التي ابتُكر من أجلها. ولكن في حالة الذكاء الاصطناعي فالأمر مختلف تماماً؛ حيث إن الخطر يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفلت من سيطرة الإنسان، ويستخدم نفسه بنفسه، وهنا المأزق الذي يطل على جحيم التكنولوجيا الجامحة.
إن الأمر عندما يتعلق بوجود البشرية وعدمها، فإن العقل ينصت للتهديدات، ولو كانت ضعيفة أو مبالغاً فيها، فالوجود البشري ليس موضوعاً للمخاطرة.
