شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

الخريف

استمع إلى المقالة

يرقّ الهواء عند مطالع الخريف، وتتسلّل الوحدة إلى الأعماق، فيتفرّغ الفؤاد للذكرى ويصبح الغياب أبهى صورة للحضور.

تأتيك اللغة في كنزة من صوف، وتستدرجك إلى تحالف مع الكآبة والغيم الذي يعزف نعمة الزوال. يتشح الجمال بالجمال، تغرّد الجداول في أسرّتها، وتفرش الأشجار أوراقها مخدعاً وثيراً للحلم والرغبة.

موسم الأرواح المتأملة، للسعادة فيه طعم الفقدان، والاشتياق بلون الشجن. تأخذنا الطبيعة إلى زوايا الزمن التي لا تبارحنا، وتتهالك الذكريات على تراب العمر لوحة من البهاء والعتاب. يتعرّى الشجر من زهوه، ويستسلم لدفء الجذور. ينسدل الغروب على الهضاب مثل الانكسار، ويرتمي الموج كالنرد على الشواطئ، فتطعن النجوم صدر الليل بسهامها، وتمسح غيمة خد القمر.

يعلّمنا الخريف كيف نرى التجدد في النهايات الكئيبة، ونضرب مواعيد مع الرجاء عندما يتمكن الغصص من الحلق، ويلمع الدمع في مجرّة السنين. وفي كتابه نقرأ دورة الحياة، ونقبل بنواميسها، ونتعلّم أن عبور الزمن ليس سوى فرصة لكي ننمو في أعماقنا ونطهّر أعمارنا من أدران الوهم ونستفيق على حقيقة الوجود.

في الخريف نكتشف أن سحر الطبيعة الحقيقي يكمن في همسها وخضوع دورة الحياة فيها لمبدأ التجدد من الفناء، وان ديمومتها في عناق الضوء بالظل ومن عدم تمسكها بالبقاء. وعلى ضفافه يمرّ موكب الفصول التي لا تراها غير القلوب الموشومة بالوداعة والصفاء. فيه تتموّن البيوت المتواضعة بالخير وبركات المواسم، وينثال الزيتون ذهباً في الخوابي العتيقة، فيما الديمة توقظ الشوق في عروق الأرض، وتهبّ نسائم الريحان من الوهاد كالصلاة.

للحياة في الخريف أشكال غير أشكال الحياة. الحزن فيه زكاة الفؤاد، وفي ألوانه كآبة أطيب من شهد البراري البعيدة، وتوق دفين إلى هناء عيش يفرّ من بين أصابع العمر، وإلى حبور مضى.

هو موسم الشرفات المطلة على موكب الدنيا، ونافذة مشرّعة على حسرات الماضي، وأرجوحة تهدهد ما تبقّى لنا من أحلام وتحجّر في مآقينا من أمل. في الخريف نتبيّن كيف أن الطبيعة ليست أبداً في عجلة من أمرها، وأن في الحفيف مواويل وقصائد... وأن الحياة هي ما لا تراه العين، وفي وحشة الغياب وعد، ورغبة تلتمع في الارتفاع فوق ترابية الجسد.