علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

الجزاء من جنس العمل

استمع إلى المقالة

كلما كانت العقوبة رادعة تكفلت هذه العقوبة بكفّ المجرم عن إجرامه، ومن لم يكفّ يده عن الجريمة، ويُدان بها، يتلقى عقوبة رادعة تكون عبرة لمن تُسول له نفسه القيام بالجريمة، ومن أخطر الجرائم في نظري هي الجرائم المالية، لأن خطر الجريمة المالية متعدٍّ، فمثلاً جريمة الاحتيال على بنك للاستيلاء على الأموال ضررها يصل إلى ملاك الأسهم والمودعين، وهذا أثر متعدٍّ، ولكن الأثر الأكثر خطورة هو تعدي أثر جريمة الاحتيال ليتضرر منه الاقتصاد الكلي للبلاد، وأكثرها ضرراً فقدان الثقة بالبنوك المحلية، وهذه نتيجة مؤذية للاقتصاد، إذ قد يلجأ المودعون إلى سحب أموالهم وإيداعها في بنوك أخرى خارجية، وهذا يربك الدورة الاقتصادية لأي بلد.

في الأسابيع القليلة الماضية شددت هيئة المراجعين والمحاسبين السعودية على أن يقوم المحاسب القانوني بتقديم بيانات محاسبية صحيحة، ومن يقدم بيانات غير صحيحة أو يصادق عليها دون تدقيقها -طبعاً هذا ملخص القرار- يعاقب وفق المادة العاشرة من نظام المحاسبة بالسجن خمس سنوات، أو بغرامة مليوني ريال سعودي (533.3 ألف دولار أميركي)، وعقوبة السجن تبدو لي كافية ومنطقية، ولكن عقوبة المليوني ريال تبدو لي غير كافية، وسأشرح لكم السبب. فمثلاً مَن يقوم بتقديم معلومات مضللة وهو يعرف أنه سيكسب مائة مليون ريال (26.6 مليون دولار أميركي) هل ستخيفه أو تردعه عقوبة المليوني ريال التي سيدفعها مخالفة؟

بالتأكيد لن تردعه مثل هذه العقوبة، ولكن لو شدّدنا العقوبة، وجعلناها مفتوحة، وتكون تحت تقدير القاضي، بحيث لا تزيد على خمسة أضعاف الضرر الواقع على المتعاملين مع هذه المعلومة، فمثلاً إذا قدر أن الضرر وقع بنحو مائة مليون ريال تبدأ العقوبة من مائة مليون ريال، وبما لا يزيد على خمسمائة مليون ريال، ويمكن أن يضاف لها السجن خمس سنوات وسحب الترخيص.

وبذلك يصبح نص المادة العاشرة من نظام المحاسبة: يعاقب كل مَن يقدم معلومات مضللة، أو يصادق عليها، إلى آخر الحيثيات، بغرامة تبدأ بمقدار الضرر الواقع على المتعاملين بهذه المعلومة، على ألا تزيد على خمسة أضعاف الضرر أو السجن لمدة خمس سنوات أو بهما معاً.

فإذا تم تشديد العقوبة قلّ التلاعب، وحفظت أموال المستثمرين. فنحن نرى في الآونة الأخيرة شركات فردية أو عائلية ترغب في التحول إلى شركات مساهمة، وتُقدم ميزانيات معتمدة من مكاتب محاسبة، وإذا قرأت هذه الميزانيات وعلى مدى ثلاث سنوات ماضية تشاهد أرباحاً عالية، وتدفقات نقدية رائعة، وميزانية تشجعك على الدخول في الاستثمار في أسهم هذه الشركة، ولكن في أول تقرير ربع سنوي يعلن لهذه الشركة بعد دخولها السوق المالية، وتداول اسمها بوصفها شركة مساهمة، نرى تراجعاً مخيفاً في الأرباح ولربما وصل الأمر إلى الخسائر، ما يشي بأن هناك بنوداً في ميزانية هذه الشركة تمت «مكيجتها!»، ما يلحق الخسائر المليارية بالمستثمرين، فإذا شددنا العقوبة على المحاسبين والمراجعين ضمنّا اقتصاداً متعافياً يشجع المستثمر المحلي والأجنبي على الاستثمار به. ودمتم.