حنا صالح
صحافي وكاتب لبناني. رئيس تحرير جريدة «النداء» اليومية (1975 - 1985). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام راديو «صوت الشعب» (1986 - 1994). مؤسس ورئيس مجلس إدارة ومدير عام تلفزيون «الجديد» (1990 - 1994). مؤسس ومدير عام «دلتا برودكشن» لخدمات الأخبار والإنتاج المرئي (2006 - 2017). كاتب في «الشرق الأوسط».
TT

الانسداد خطر داهم

استمع إلى المقالة

الانسداد، هو الوصف الأدق للوضع الذي تمر به المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. لا موعد لاجتماع روما الثامن، وجهات سياسية تُلمِّح إلى ترحيل طويل للجولة التفاوضية كلما اقترب موعد انتخابات الكنيست (27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل). ولا مناطق تجريبية جديدة، وهذا الجانب من «الاتفاق الإطاري» بات مرتبطاً بالوضع الميداني. ولا اتفاق بعد على جهة التحقق من قيام الجيش اللبناني بالمطلوب منه في المناطق التجريبية لجهة نزع السلاح والحؤول دون استحداث أي بنى تحتية لـ«حزب الله».

وعلى الأرض بات عنوان تلة «علي الطاهر» صنو مضيق هرمز. جيش الاحتلال الإسرائيلي يضيق الخناق، وفي الخلف تدمير وتجريف وقضم متزايد للأرض. يقابله رفض معلن من «حزب الله» لتسليم تلك التلال إلى الجيش اللبناني. فتسود معادلة قاتمة: تدمير ممنهج ومفاقمة التهجير ومضاعفة أسباب استحالة العودة، لكن لا حرب معلنة، والمنطقة أبعد ما تكون عن السلام.

وفي الداخل اللبناني تتكرر المواقف السوريالية. مواقف رئاسية تتمسك بالمفاوضات المباشرة «لأنها الأقل تكلفة»، خصوصاً أن «الاتفاق الإطاري» تضمَّن مبدأ الانسحاب الإسرائيلي، وإن ورد تحت عنوان «إعادة الانتشار إلى خارج الحدود اللبنانية». فتكرر الجهات الرسمية الدعوات لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء بحصر السلاح، واعتبار نشاط «حزب الله» العسكري والأمني خارج القانون. توازياً يواصل الشيخ نعيم قاسم التصعيد: «نحن ضد اتفاق الإطار لأنه غير شرعي (...) والمقاومة باقية بسلاحها ضد المناطق التجريبية»، وإذ لفت الانتباه رفض الشيخ قاسم «آلية التحقق»، فالأخطر التهديد بأنهم «ضد كل من يشارك في هذه الآلية»!

ومن بيروت إلى آخر نقطة بالعالم يعلم الجميع: سيبقى لبنان عاجزاً عن احتواء التداعيات الكارثية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية - الإيرانية على لبنان، من دون حصر السلاح وتفكيك البنى التحتية العسكرية والاقتصادية فوق الأرض وفي الأنفاق. يقابله أن قرار السلاح اللاشرعي ليس في الضاحية الجنوبية، فقد سبق لزعيم «الحزب» السابق حسن نصر الله أن أعلن: «القيادة والتوجُّه والتفويض وقرارات الحرب والسلم وغيرها بيد الولي الفقيه»، مما يعني أن السلاح اللاشرعي الذي استدرج الاحتلال مجدداً، جزءٌ من القوة الإيرانية، وهذه القوة رغم الانكسارات الكبيرة التي طالتها، باقية ولو إلى حين، مشروع حربٍ دائمة مع أميركا وإسرائيل.

لا يستطيع لبنان تحمل تكلفة انهيار التفاوض، لأن البديل هو حرب مدمرة وتمدد الاحتلال. في هذا التوقيت بدا موقف الخارجية الأميركية كأنه يُلوِّحُ بجزرة لـ«حزب الله»، استباقاً لتجدُّد محتمل للحرب: «يتعين على (حزب الله) نزع سلاحه ليكون لبنان بلداً آمناً ومتمتعاً بالسيادة»، ومع التأكيد على أن «الحكومة اللبنانية هي المحاور الشرعي الوحيد بشأن مستقبل لبنان»، فعندما يقرر «الحزب» أنه مستعد لتسليم سلاحه ويبلغ الدولة «حينها يمكننا محاولة تقريب وجهات النظر».

إنه موقف شديد الدلالة على حالة الانسداد. قد يحدث لقاء أميركي مع «الحزب» على غرار اللقاء مع «حماس» التي وافقت على نزع سلاحها. لكن، «تقريب وجهات النظر»، حول ماذا؟ إن المطالب التي حملها، غداة وهم «انتصار» حرب يوليو (تموز) 2006، منوشهر متقي وزير خارجية إيران، بإجراء تعديلات دستورية تشرع مكانة «الحزب» في إدارة الدولة، لم تمر، وعجز نصر الله لاحقاً زمن رئاسة ميشال عون عن فرضها. فكيف اليوم، وهي أياً كانت تعني منع قيام الدولة، فيما المفترض بدء محاسبة «حزب الله» عما تسبب به من نكبة سيمر الكثير من الوقت لإدراك كلّ أبعادها. إن هناك تحدياً مطروحاً على السلطة هو منع «الحزب» من الذهاب إلى حرب «إسناد» جديدة للنظام الإيراني.

إن تداعيات الحصار الأميركي الحربي والمالي بدأت تلحق الشلل بإيران. الوقت يعمل ضد طهران: طوابير السيارات على محطات الوقود، والسلع المعروضة تتضاءل، وانهيار كبير في سعر العملة. والرسالة المنسوبة إلى المرشد المحتجب مجتبى خامنئي تعتبر أن تناول التردي الاقتصادي يضعف معنويات الأمة، والمستوى العسكري يدرك أن التطورات تكاد تفقده ورقة مضيق هرمز، للضغط على الاقتصاد العالمي، علّ واشنطن تتراجع عن إجراءاتها. أمام هذا الانسداد، قد يسعى «الحرس الثوري» إلى مسار آخر علّه يُحسِّن من موقع إيران وأوراقها في سياق صراعها للحفاظ على نظامها ونفوذها الإقليمي في آنٍ واحدٍ، مما يعني عودة إلى مسار التصعيد على مستوى الإقليم وعبر «الفيلق اللبناني» على وجه الخصوص.

أمور كثيرة بيد الشرعية، إن حزمت، لجهة وضع قرارات مجلس الوزراء في التطبيق. أول ما بين أيديها العمل الجاد لتثبيت الوضع الأمني في العاصمة بيروت وانطلاقاً منها، وأول ما بين أيديها هو قوة الشرعية بمواجهة اللاشرعية والخارجين على القانون، والانطلاق من واقع تلاشي المشتركات الوطنية مع «حزب الله»، المرتبط عضوياً بولاية الفقيه، والعامل من دون كلل في خدمة المشروع الإقليمي الإيراني.