افتقدَتْ خبازة في بلدة ألمانية زوجين مسنَّين اعتادا ارتياد مخبزها يومياً. وبعد أيام من غيابهما ساورها القلق، فتوجهت إلى شقتهما للاطمئنان. وما إن وصلت حتى سمعت استغاثات خافتة من خلف الباب، فسارعت إلى الاتصال بالطوارئ. وحين فَتَحَت فرق الإنقاذ الباب، عُثر عليهما عاجزين عن الحركة.
ما أكثر ما نغيب لكنَّ أحداً لا يلحظ غيابنا. وهناك من يغيب فيُفتَقَد... فلا تُعرف قيمة المرء حتى يغيب. الغياب يكشف ما يخفيه الحضور. وكما قال أبو فراس الحمداني: «وفي الليلة الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ». ولذلك عندما تنهال الاتصالات على من يستمتع بإجازته للاستفسار عن أمور كثيرة تنكشف مواطن الخلل، كضعف التفويض، واحتكار المعرفة، وغياب البديل.
لكن ليس كل من يسأل عنا يفتقدنا! فهناك من يريد معلومة أو خدمة أو صلاحية توقيع، فإذا قُضيت الحاجة انتهى السؤال.
غيابنا يكشف المُحِب، والمُعتاد، والمُحتاج، والمُستفيد، وكذلك الفضولي. فهناك من يفتقدك لأنه ألِف وجودك، أو يفتقد ضحكاتك ولطافتك وروحك الإيجابية.
أحيانا نبالغ في الاعتقاد بأن الناس يراقبوننا. وهو ما يطلق عليه العلماء «تأثير بقعة الضوء»، ولكن كما يقول أهل نجد والكويت «محد درى عن هوى دارك»، أي إن الناس أقل انشغالاً بنا مما نتصور. وفي المقابل، قد يكون لشيء من الغياب أثر محمود، كما قال حكيم العرب أكثم بن صيفي: «زُر غبّاً تزدد حباً» أي كلما كانت زياراتك للآخرين متباعدة أسهم ذلك في إبقاء قدر من المودة والألفة. فالاعتياد قد يحجب قيمة الحضور.
يميل الإنسان إلى تضخيم أثره، ويظن أن غيابه سيشتت فريقه أو يعطل مؤسسته، ولكن الحياة تمضي لأن الآخرين يجدون طريقهم نحو مبتغاهم.
المفارقة أن هناك من يتمنى ألا يُفتَقَد، مثل الطبيب والمعلم والوالدَين اللذين يربيان أبناءهما على الاعتماد على النفس. فالطبيب يتمنى أن يتعافى مريضه فلا يحتاج إليه، وهكذا.
فربما كان أعظم أثر أن نجعل الآخرين قادرين على الاستمرار من دوننا.
هناك من لا يفتقدنا ولا يسأل عنا احتراماً لخصوصيتنا، أو تقديراً لانشغالاتنا. وقد تحول ظروفه دون السؤال. ولذلك ليس السؤال وحده مقياساً للمحبة، ولا الغياب اختباراً حاسماً لجودة العلاقة. فهناك من يألف الغياب مع مرور الزمن.
حتى الآلة صارت تفتقدنا، فمعظم المتاجر الإلكترونية إذا ما لاحظَتْ أننا هجرنا سلة المشتريات تبادر بتذكيرنا بعد حين، علَّنا نعاود رحلة الشراء. وهو في الواقع تجسيد لافتقاد المصلحة لا المحبة.
ولعل السؤال الأهم ليس: مَن يلحظ غيابك؟ بل: ماذا يفتقد حين تغيب؟ وربما كانت أرقى صور الغياب مَن يفتقدك للأثر الذي تركته في وجدانه.
