غداة إعلان واشنطن أنها بصدد تشديد الحصار على إيران، وإخضاعها لأقسى العقوبات بهدف إضعافها وشلّ دورها المهدد للاستقرار، كشف الأمر الصادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، عن تحولٍ جوهري في توصيف أميركا لـ«حزب الله»: «إنه وكيل لإيران لا يعمل كمنظمة مستقلة، بل كذراعٍ للجهاز العسكري والأمني للحرس الثوري، يتحكم بدرجة كبيرة في قراره. فيشكل إحدى أدوات إيران لتوسيع نفوذها، فيهدد بتقوض سيادة الدولة اللبنانية، كما سلام المنطقة، ويعرض أمن حلفاء أميركا الإقليميين للخطر».
معروف أن الولايات المتحدة تصنف «حزب الله» منظمة إرهابية منذ عام 1997، لكن المشهد تبدل مع مبررات محدثة لهذا التصنيف. إذ بعده لا ترتبط العقوبات على «الحزب» بأنشطته الإرهابية وحسب، بل بتصنيفه كتابعٍ لـ«فيلق القدس» يمتلك «الحرس الثوري» التأثير الكبير عليه. وتالياً فإن العقوبات على «الحرس» ستطبق على «الحزب» بوصفه تابعاً له، فتخدم هذه السياسة حملة إضعاف وكلاء إيران الإقليميين.
ولاحظ التصنيف أن العلاقة بين «الحرس» و«الحزب» تتجاوز الدعم العسكري، إلى تكامل مالي لوجستي، ما يمكن «حزب الله» من القيام بأنشطة واسعة، جعلته عقبة أمام سيادة لبنان وأمنه واستقراره، مع الإشارة إلى أنه جرّ لبنان إلى حروبٍ مدمرة مرتين.
في السنوات الـ26 الماضية التي تلت الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان (25 مايو/أيار 2000)، أخذ «حزب الله» لبنان قسراً إلى 4 حروبٍ مدمرة: في يوليو (تموز) 2006، ثم الحرب على الشعب السوري دعماً للنظام البائد، فحرب «إسناد» غزة 2023، و«إسناد» إيران 2026، فاستدرج الاحتلال الإسرائيلي مجدداً، وتسبب بتهجير أكثر من مليون مواطن والأخطر ما يشهده الجنوب المحتل من تجريفٍ للعمران وإنهاء سبل الحياة فيه وتدمير معالمه وتحويله إلى أرض محروقة غير قابلة للعيش!
جديد هو التوصيف الأميركي لـ«الحزب»، وملاحقة شبكات تؤمن له الأموال، والكشف عن استغلال رحلات تجارية تدفقت عبرها الأموال نقداً، ما استتبع عقوبات على أعوانه.
يجدر التنبه هنا إلى أن ما ذهب إليه تجديد التوصيف الأميركي، وهو كبير الأهمية والتأثير في مسار استعادة السلطة اللبنانية السيادة الكاملة، لا يحمل جديداً بالنسبة لـ«حزب الله». صحيح أن إبراهيم أمين السيد وهو أحد أبرز المؤسسين اللبنانيين لهذا التنظيم، أعلن في عام 1987 (بعد عامين على التأسيس): نحن إيران في لبنان، فإن الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، ويُعدُّ اليوم أبرز مفكري «الحزب»، قال في كتاب «النهج والتجربة»: «نحن لا نتخذ قرار الحرب والسلم بأنفسنا، بل نعود فيه إلى الولي الفقيه الذي يحدد متى تكون المواجهة واجباً شرعياً»!
أغلب الظن أن إعلان قاسم بأن قرار «الحزب» في طهران، كان معروفاً بالنسبة للمنظومة السياسية، ورغم ذلك تساكنت مع السلاح اللاشرعي، وكانت تحالفات عميقة وتبادل «خدمات» و«مكاسب»، حصيلتها المنهبة والانهيار، وإمساك «حزب الله» بمفاصل القرار.
تبعاً لمهام حددها مشغله، لم يقدم «حزب الله» أي حماية للبنان وبخاصة للجنوب والجنوبيين كما زعم، كما أنه فشل في حماية قادته وكوادره، لكنه ربط لبنان بوظيفة إقليمية دفاعاً عن إيران، ما انتهك السيادة وأضعف الدولة وصدّع المجتمع... وأفضى سلاحه إلى احتلال إسرائيلي لجزء كبير من الجنوب. والصحيح كذلك أنه بكل خطواته وأدائه جعل لبنان مجرد ورقة إيرانية.
في 2 مارس (آذار) الماضي حظر مجلس الوزراء العمل العسكري والأمني لـ«الحزب»، كأنه بذلك فصل بين جناحين: سياسي وعسكري. القرار كشف عزلة «الحزب» وتراجع تأثيره على القرار السياسي. الخطوة مهمة لكنها غير كافية. فها هو نواف الموسوي، النائب السابق والقيادي في «حزب الله» يعلن: «نحن مقاومة أولاً وحزب سياسي ثانياً والحزب يعمل في خدمة المقاومة»(..) ما يؤكد أن هذا الحزب لم ينشأ كحزب تقليدي، بل كحالة عسكرية أمنية إيرانية مرتبطة بمشروع طهران في المنطقة. لكل ذلك لا يبدو الأمر مقبولاً أن تظهر التركيبة الحاكمة، رغم الأهوال والويلات، في نهجها تخوفاً مما تعتبره السيئ فتقود البلاد إلى الأسوأ!
