حينما تكون العقوبة رادعة فإنها تخيف المجرمين وتقلل الحوادث الجرمية إلى أدنى مستوى، اللافت للنظر أن العقوبات في بعض بلدان شرق آسيا رادعة جداً، خصوصاً في البلدان المكتظة بالسكان، فالصحافي المصري أنيس منصور يقول في كتابه «حول العالم في 200 يوم»، وهو كتاب قلّد فيه الكاتب الرواية الغربية «حول العالم في ثمانين يوماً»، إنه حينما وصل إلى إندونيسيا شاهد محفظة في الطريق ولا أحد من المارة يتعرض لها، وحينما بدأ يستفسر عن السبب عرف أن عقوبة السرقة لديهم هي الشنق في مكان السرقة نفسه، لذلك بقيت المحفظة على قارعة الطريق لا أحد يمد يده ليأخذها، ولا أعلم إذا كان هذا القانون معمولاً به في إندونيسيا الآن أم لا، لكن هذه رواية أنيس منصور، بالإضافة إلى روايته الطريفة عن تحضير الأرواح عن طريق السلة.
لذلك لم يذهلني الحكم بالسجن المؤبد على رجل الأعمال الصيني شو جيا يين نتيجة إدانته بمجموعة جرائم، منها: تضخيم الأموال بصورة مصطنعة، إخفاء الالتزامات والديون الحقيقية، جمع أموال من الجمهور بصورة غير قانونية، ارتكاب احتيال في جمع الأموال، التلاعب بإصدار الأوراق المالية، تقديم إفصاحات مالية غير صحيحة، استخدام أموال بصورة مخالفة للقانون، التورط في قضايا رشوة، واستغلال المنصب للاستيلاء على أموال الشركة تحت غطاء توزيع الأرباح. وشمل الحكم، إضافة إلى السجن المؤبد، مصادرة جميع ممتلكاته وأمواله والحكم أيضاً على 56 فرداً لهم علاقة بالشركة بالسجن مدداً تراوحت بين ثمانية عشر عاماً وعشرة أشهر بما فيهم أبناؤه مع الغرامات أو مصادرة الأموال.
لو اقتدينا نحن العرب بالعقوبة الصينية فهل سيظهر لدينا أفراد يؤسسون الشركات لتوظيف الأموال؟ وتضيع معهم أموال المودعين؟ وهذا النمط من التجارة ظهر أكثر وضوحاً في مصر والسعودية! لا أظن أن مثل هذا النوع من الأعمال التجارية سيظهر في العالم العربي إذا غلظنا العقوبة وجعلناها رادعة لكل من تُسوّل له نفسه الاحتيال، ثم إن من ضمن جرائم رجل الأعمال الصيني الاحتيال في إصدار الأوراق المالية، ونحن في العالم العربي لدينا أسواق ناشئة تتعامل في الأوراق المالية، فكلما تشددنا في العقوبات خلقنا سوقاً مالية كفؤة يثق بها المتعاملون ويستثمرون فيها.
في الأسواق الناشئة أحياناً يكثر التلاعب بأموال الشركة واستغلالها لمصالح شخصية، فمثلاً لو افترضنا شركة كابلات، فإن نشاطها الأساسي يتعلق بالنحاس، فلو وجدنا أن النافذين في مجلس إدارة الشركة أو التنفيذيين أسسوا شركة موازية للنحاس وبدأوا بشراء النحاس من الأسواق الدولية ومن ثم بيعه للشركة، طبعاً بمكسب مادي، ثم قاموا بشراء منتج الشركة وبيعه في الأسواق وربحوا أيضاً، وفي المقابل خسرت الشركة ومعها مساهموها، أي نشأ ما يعرف بتضارب المصالح وتضررت منه الشركة وربح منه الفاسدون، فلو شددنا العقوبة في العالم العربي على المتلاعبين لتصل إلى مصادرة جميع الممتلكات والسجن المؤبد على أن يكون السجن في صحراء الربع الخالي أو الصحراء الكبرى، أو أي صحراء عربية أخرى، وبدلاً من الأشغال الشاقة، نأمرهم بأن يشجروا الصحراء حتى لا يستمتعوا بما سرقوه وتستفيد منهم الصحراء وحتى يكونوا عبرة لغيرهم، ألا يخلق ذلك بيئة أعمال صحية يثق بها المتعاملون. ودمتم.
