د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

لبنان... «اقتصاد الطاولة»

استمع إلى المقالة

أكتب مقالي هذا من مقهى جميل في أزقة بيروت، وحولي «صبايا وشباب» يبدو أنهم يمارسون عملهم الحر عن بُعد. تلك تصمم، وذاك يكتب، وآخر يدير فريقه في المهجر، وجميعهم تجمعهم طاولة واحدة.

عرف العالم لبنان من طاولته، فمنها خرجت أشهى مطاعمه، ومقاهيه، وأزياؤه، وعلاماته التجارية. وعلى الطاولة قرأ العرب ما أنتجته مطابع بيروت، وحولها اختلف السياسيون والاقتصاديون وعامة الناس... وتصالحوا.

وللطاولة في لبنان اقتصاد قائم بذاته. فمن حولها تتحرك صناعة المطاعم والمقاهي والفندقة، ومنها انطلقت حقوق الامتياز اللبنانية (الفرانشايز) لتعبر الحدود. وعالمياً، أصبحت الطاولة جزءاً مما تُسمّى «مساحات العمل المشتركة»، ويصل حجمها إلى نحو 26 مليار دولار، وهي تنمو بنسبة 15 في المائة سنوياً.

والطاولة مؤشر اقتصادي يكشف عن جانب من أحوال الناس. فكلما زادت أصنافها أو قلت عكس ذلك مدى تأثر الأسرة بالاقتصاد. فما يُوضع على المائدة وما يتناقص منها يروي شيئاً مما لا تقوله المؤشرات الاقتصادية. ولبنان عاش أحد أقسى الانهيارات النقدية، بعدما فقدت الليرة معظم قيمتها إثر عقود من تثبيتها أمام الدولار، ومع ذلك لم تتوقف محاولات الناس للتكيف ومواصلة حياتهم.

وأنا أسير في طرقات بيروت كانت عيناي تتابعان الشرفات التي لا تكاد تخلو من طاولة، وربما فنجان قهوة وحديث ممتد، يتقاسم فيه اللبنانيون مواجعهم، ولا يفوتون معه فرص الاستمتاع بالحياة.

ولا يمكن فهم الآخر إلا حينما تجلس معه على طاولة واحدة، مرات عديدة. فالطاولة ليست مكاناً للطعام فحسب، بل مساحة للحوار والاختلاف والتقارب.

ومن طاولات المطاعم، تظهر قيم المجتمع وعاداته. ولذلك لا ينسى العربي حوار النادل اللبناني في أي مطعم، فلديه براعة لافتة في إدارة توقعاتك، بل حتى خيبات أملك، ولا يمكن أن تغادر الطاولة إلا «مبسوطاً». ربما المكان الوحيد في العالم الذي تدفع فيه «البخشيش» مسروراً.

تعلم اللبناني، بعد أزمات متعاقبة، فناً آخر في إدارة خيبات الأمل. فالمجتمعات التي تخرج من ركام الحروب تتشكّل لديها «مناعة نفسية» وصلابة تختلفان عمّن لم تختبرهم ويلات الحروب.

ولعل أكبر دليل على ما يمكن أن تفعله الطاولة في لبنان، أن جراح الحرب الأهلية لم «تبدأ» بالالتئام إلا حول طاولة «اتفاق الطائف» عام 1989، حيث وُضِع الأساس لإنهاء حرب طاحنة امتدت لنحو خمسة عشر عاماً.

كل شيء يمكن أن يتغير في لبنان إلا تلك الطاولة التي ظلت في الرخاء والشدة شاهدة على طريقة عيش اللبنانيين، وحل مشكلاتهم، وتصدير إبداعاتهم إلى العالم.