فَتحت الجلسةُ السابعة للمفاوضات المباشرة اللبنانية - الإسرائيلية بابَ البحث في مصير الأسرى ومطالبة بيروت باستعادتهم، وطرحت القضايا الحدودية العالقة منذ عام 2000 عندما جرى ترسيم «الخط الأزرق» بوصفه خطَّ انسحاب للجيش الإسرائيلي. كما التوافق على جهات محددة بوصفها طرفاً ثالثاً للتحقق من خطوات الجيش في المناطق التجريبية؛ مما يسحب الذرائع الإسرائيلية في العودة إلى المناطق المحررة. لكن هذه الإيجابيات لم تحجب حقيقةً يرتبط بها كل مستقبل المفاوضات، ويتعذر على المفاوض اللبناني القفز فوقها: إنها المعادلة التي تربط بين تحرير الأرض ونزع السلاح اللاشرعي... وهنا مربط الفرس.
بدايةً؛ رَسَم «الاتفاقُ الإطاري» الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة منحى حقيقياً لاستقرار لبنان وتحقيقه أمناً مستداماً. فـ«الاتفاق»، بمعزل عن ثغرات في بعض بنوده أملتها هزيمة كبرى لحقت بلبنان جراء حرب إسرائيلية - إيرانية على أرضه عن طريق «حزب الله»، شكّل إطاراً دبلوماسياً منح لبنان لأول مرة صفة الدولة ذات السيادة المسؤولة عن أمن شعبها وأرضها وسيادتها. ونقطةُ القوة اللبنانية في هذا «الاتفاق» هي أنه جعل خيار الاستقلال الثالث «واقعياً»، لكنه رتب على بيروت حتمية النهوض بمسؤوليات تقع كلها في صلب الدستور اللبناني.
عبّر مضمون «الاتفاق» عن منحى السلام المرتجَى للبنان، بقطعه مع جوهر القرارات الدولية التي أبقت السلاح: من «اتفاق الهدنة عام 1949»، إلى القرارات «425» و«1559» و«1701»، حتى اتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. فباستثناء «اتفاق الهدنة»، كان السلاح اللاشرعي يعود إلى ميليشيات وقوى أمرٍ واقعٍ، وحق الإمرة عليه بيد القوى الخارجية. ولم يكن للسلطات اللبنانية المتعاقبة رأيٌ ولا قرارٌ في الاستباحة المدمرة، ولم يؤخذ في الحسبان قلق الناس ولا أوجاعها من تناسل الحروب على أرض الجنوب تحديداً. والأبشع أنه على مدى العقود الماضية، صارت للسلاح اللاشرعي، الذي استُخدم في قتل أبناء سوريا والعراق واليمن... وغيرهم، وظيفة سياسية، بترويجه مقولات زائفة، بينما الواقع الناطق يقول إنه لم يتبدل أمر في حياة الناس ومعيشتهم، لكن قبضة القوى الطائفية المتسلطة تعززت... وهنا لا تُجدي أي محاولة للقفز فوق حقيقة أن هذا السلاح ينتمي إلى مشروعٍ سياسي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ويتداخل مع مفاهيم «ولاية الفقيه»!
في «مباحثات روما»، التي تزامنت مع مرور سنة على قرارات حكومية تاريخية قضت بحصر السلاح في يد القوى الشرعية واتُّخذت قبل أكثر من 180 يوماً على 2 مارس (آذار) الماضي؛ يوم أُخِذ لبنان قسراً إلى حرب «إسناد» إيران، كان على الطاولة كذلك واقعُ أن كل ما أُعلن عن نزع للسلاح في جنوب نهر الليطاني، وتقييد حركته في كل لبنان، لم يكن دقيقاً ولم يتحقق منه الشيء الكثير. والقرارات اللاحقة، التي حظرت العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله» وعَدَّت كلَّ سلاح خارج السلطة سلاحاً خارجاً على القانون، كانت أيضاً على الطاولة، وهي تعبر في العمق عن قضية وطنية لبنانية بحصر السلاح، أكد عليها «اتفاق الطائف» والدستور والقرارات الدولية. وجليٌّ أن تعطيل التنفيذ أبرز خللاً داخلياً ما عاد مقبولاً تجاهله، وأظهر للمفاوض اللبناني، ومن خلفه السلطة السياسية، أن المراوحة تُضعف الرهان على الدعم الدولي للبنان في شتى المجالات، لا سيما بشأن دعم الجيش الذي يشترط مسبقاً نتائج عملية على الأرض.
لقد استهجنت أبواق «حزب الله» بروز معادلة مفادها أنه لا مساعدات لإعادة الإعمار، ولا انسحاب، ولا استقرار طويل الأمد، قبل «معالجة ملف سلاح (حزب الله) بصورة عملية، وليس عبر تعهدات سياسية عامة». يُبرز هذا الاستهجان تجاهلاً متعمداً لواقع أن السلاح المسؤول عن استدراج الاحتلال فشل في حماية حامليه، وتسبب في إنزال عقاب جماعي بكل اللبنانيين، وبالتالي بات نزعه ممراً إلزامياً لاستعادة السيادة، بينما بقاء هذا السلاح يُبقي الاحتلال ويرسخه وربما يعطيه فرصة التوسع أكثر فأكثر.
إن ديدن «حزب الله» ومشغليه هو البحث عن سبل الاحتفاظ بالسلاح لإكمال الدور الموكل إليه، في حين يبحث المواطن الجنوبي الموجوع الذي فقد كل شيء عن سقف يؤويه، وعن أمان افتقده، ويسعى بكل السبل للعودة إلى قرى مدمرة تم تجريفها؛ لمحاولة ترميم الممكن لتأمين البقاء؛ ولو على حطام بلدات لم تعد موجودة.
ما يخشاه الجنوبي، وينبغي أن يُقلق لبنان، هو أن مرورَ الوقت على الدمار والتهجير واستمرار الأبواب المقفلة أمام الولوج إلى حلول جدية، يهدد بوضع المخطط الإسرائيلي في حيز التنفيذ، وهو مخطط التغيير الديموغرافي في الجنوب، عبر هجرة متنامية تطول أساساً الفئات الشابة وأصحاب الكفاءة. وهنا مثال غزة واضح للعيان، فرغم الحصار الشديد، فإن الأبواب المواربة سمحت بهجرة تجاوزت أعدادها 250 ألف غَزّاوي... فهل يُرسم هذا المصير للجنوب اللبناني نتيجة التمسك بالسلاح اللاشرعي والبطء في استخدام قوة الشرعية في وجه القوى اللاشرعية المرتبطة بالخارج؟!
