د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

بحر الصين الجنوبي تحت مرأى مصالح الدول

استمع إلى المقالة

بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، انقسم العالم إلى نظام ثنائي القطبية تقوده قوتان عُظميان، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولكن مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، تحوّل النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية؛ حيث تربّعت الولايات المتحدة على هرمية النظام الدولي لتتحكّم في مجريات الأحكام الدولية. ولكن مع بداية القرن الحادي والعشرين بدأت ملامح عصر نظام دولي جديد يلوح في الأفق، مع صعود الصين كقوة جديدة تنافس الولايات المتحدة على عرشها.

على مَرّ عقود من الزمن، ركّزت الصين على بناء قوّتها البريّة وتأمين محيطها القارّي، ولكن التحوّل الاقتصادي الهائل الذي شهدته منذ ثمانينات القرن الماضي جعل أمنها مرتبطاً بالبحر أكثر من أي وقت مضى. فمعظم صادرات الصين ووارداتها واحتياجاتها من الطاقة تمرّ عبر الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي والمحيط الهندي وصولاً إلى بحر الصين الجنوبي.

لذا، تَعتبر بكين أن بحر الصين الجنوبي شريانها الاقتصادي الرئيسي، وأي تهديد للمرات البحرية بإمكانه عملياً أن يؤثر على الاقتصاد الصيني كله. وهكذا فقد أصبح تأمين هذه المنطقة ركناً أساسياً من مفهوم الأمن القومي الصيني نفسه.

لكن المسألة لا تتوقّف عند حدود الدفاع عن خطوط التجارة فحسب؛ بل تسعى الصين إلى تحويل البحر من ممرٍّ تستخدمه إلى مجال استراتيجي تهيمن عليه. فالدولة التي تعتمد على الممرّات البحرية تبقى عُرضة لضغوط القوى البحرية الأخرى، بينما الدولة التي تسيطر عليها تتحوّل إلى قوة قادرة على فرض سيطرتها وشروطها الإقليمية والدولية.

يقع بحر الصين الجنوبي غرب المحيط الهادئ الذي يرتبط بالمحيط الهندي عبر قناة باشي وبحر سولو، وقد اكتسب أهمية استراتيجية بعد نمو التجارة العالمية؛ حيث يمرّ عبره ثلث الشحنات البحرية العالمية. وما زاد في أهميته هو اكتشاف النفط الخام والغاز الطبيعي فيه. ووفقاً لتوقّعات إدارة الطاقة الأميركية، فإن منطقة بحر الصين الجنوبي تحتوي على ما لا يقل عن نحو 11 مليار برميل من النفط الخام، و190 تريليون قدم مكعّبة من الغاز الطبيعي، بينما تشير تقديرات صينية رسميّة إلى موارد أكبر بكثير تصل إلى 125 مليار برميل من النفط، و500 تريليون قدم مكعّبة من الغاز، بالإضافة إلى الشعاب المرجانية، وغناه بمصايد الأسماك. وهذا كلّه جعل الدول التسع المطلّة عليه في قارة آسيا تتنافس للاستيلاء على الأجزاء المتناثرة فيه؛ (جمهورية الصين الشعبية، وتايوان، وفيتنام، والفلبين، وماليزيا، وتايلند، وإندونيسيا، وبروناي، وسنغافورة). لذلك تشهد هذه المنطقة توترات ونزاعات حدودية مستمرة بين بعض الدول المتشاطئة بشأن السيادة على الجزر والمياه الإقليمية. ورغم اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار وتقسيم المناطق الاقتصادية بين الدول المتشاطئة، فإنها تواجه صعوبات كثيرة، أهمّها حق النقض الممنوح للصين والولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي.

نظراً لأهمية الموقع الاستراتيجي وحركة الملاحة في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ، والذي يعبر من خلاله نحو 22 في المائة إلى ثلث شحنات التجارة العالمية، وما يُقارب 29 في المائة من شحنات النفط المنقولة بحراً سنوياً، فإنه يعد أقصر وأهم ممر حيوي يربط طاقة الخليج العربي باقتصادات شرق آسيا الضخمة.

الخلافات القائمة بين الصين والدول المجاورة كانت سبباً مغرياً ومحفزاً للولايات المتحدة -التي تعتبر نفسها راعية لمصالح الدول المطلّة على بحر الصين الجنوبي- للتدخّل وإيجاد موطئ قدم لها في تقسيمات بحر الصين الجنوبي. ولكن الصين سارعت في العمل على إحكام قبضتها على الملاحة في هذا البحر، وذلك بإقامة قواعد بحرية استراتيجية في جزيرة هانيان مضادة للوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وضمان حريّة حركة البضائع الأميركية. وهذا البحر مهم جداً لها كموقع استراتيجي.

الصين تدرك تماماً أهمية هذا البحر؛ خصوصاً بعد إطلاقها مبادرة «الحزام والطريق»، ومَن يسيطر عليه سيسيطر حتماً على المحيطين الهادئ والهندي، ومن يتحكّم في الأخير يسيطر على مفاتيح التجارة العالمية كلها. لذلك، فمن يتحكّم في البحر الصيني الجنوبي سيكون عنصراً مهماً في رسم المشهد المستقبلي للنظام الدولي الجديد.

وفي هذا السياق، يمثّل بحر الصين الجنوبي شرياناً تجارياً عالمياً؛ حيث تبلغ قيمة التجارة الأميركية المارّة فيه 1.2 تريليون دولار أميركي سنوياً، وهو ما يمثّل أكثر من 14 في المائة من إجمالي تجارة البحار الخاصة بالولايات المتحدة. كما تمرّ عبره نحو 40 في المائة من تجارة الصين، وثلث تجارة الهند (نحو 613 مليار دولار) في 2025- 2026. و20 في المائة من تجارة اليابان. ويُعدّ هذا البحر بؤرة صراع اقتصادي لاحتوائه ثروات ضخمة أهمها النفط والغاز.

ويبقى السؤال: هل ستنجح بكين تدريجياً في تحويل هذه المنطقة إلى مجال نفوذ خاص بها، يشكّل نقطة انطلاق نحو مكانة القوة البحرية الأولى في القرن الحادي والعشرين؟!