د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

ريادة السيارات تتحرك شرقاً

استمع إلى المقالة

كنت أرى من نافذة شقتي في مدينة ساوثهامبتون الإنجليزية - طوال العام - أرتالاً من السيارات الجديدة تغادر ميناءها الشهير، الذي انطلقت منه سفينة تايتانيك. عرفت أنها سيارات معدة للتصدير من مقودها الأيسر، خلافاً للمقود الأيمن المعتاد في بريطانيا. حتى عهد قريب كانت أوروبا بقيادة ألمانيا، تصدّر أفضل السيارات والأكثر طلباً حتى استيقظ المارد الصيني فأحدث هزّة غير مسبوقة في هذه الصناعة العريقة.

التقارير تشير إلى أن الشركات الألمانية اكتشفت أن تكاليفها الإدارية تزيد بنحو الثلث مقارنة ببعض منافسيها، فاضطرت هذا الصيف إلى إعادة هيكلة واسعة، شملت إلغاء مئات المناصب الإدارية وتقليص آلاف الوظائف. كما ارتفعت تكلفة تصنيع السيارات الأوروبية والأميركية مقارنة بنظيراتها الصينية لأسباب عديدة؛ منها ارتفاع الأجور والضرائب وقوة النقابات وغيرها. وفي الوقت نفسه، عزَّزت الصين تفوقها في السيارات الكهربائية والبرمجيات، والشاشات، والتقنيات التي باتت تستقطب الجيل الجديد.

ما يحدث اليوم يذكّرنا بأن الصناعات الكبرى لا تسقط فجأة، بل تبدأ بخسارة «ميزتها التنافسية» تدريجياً حتى تسبقها قوى جديدة أكثر سرعة ومرونة.

ولم يكن التحول إلى السيارات الكهربائية مجرد تغيير في نوع المحرك، بل في طبيعة الصناعة نفسها. فالسيارة الكهربائية أبسط ميكانيكياً بكثير من سيارة الاحتراق، إذ تضم أجزاء أقل ولا تحتاج إلى كثير من الأنظمة التقليدية، الأمر الذي يقلل الحاجة إلى العمال والمهندسين والإداريين والموردين، ويجعل تقليص الوظائف نتيجة طبيعية، حتى مع استمرار المبيعات.

مررت على جميع الوكالات الصينية لتجربة قيادتها والتعرف إلى تفاصيلها فذهلت مما رأيت من جودة التصنيع والتقنيات والديكورات الداخلية.

وقد التقيت قبل أشهر رئيسة شركة «بي واي دي» الصينية، فقلت لها إن سياراتكم تذكرني بهدوء ومتانة سيارات «لكزس» اليابانية. فابتسمت وقالت: «سترون خلال السنوات المقبلة ما هو أكثر إدهاشاً». ولم يمضِ وقت طويل على لقائي حتى أعلن رئيس مجلس الإدارة أنها ستصبح أكبر شركة تصنيع سيارات بالعالم. عندها أدركت أن الصينيين لا يسعون إلى منافسة الغرب فحسب، بل إلى إعادة رسم خريطة صناعة السيارات العالمية.

وقد سخّرت الصين قوتها الاقتصادية في تطوير مذهل وسريع للسيارات الهجينة، ثم دخلت بقوة إلى سوق السيارات الكهربائية، التي تتجه أوروبا إلى اعتمادها تدريجياً بحلول عام 2035. وقد قرأت عن نية الأوروبيين فرض متطلبات تصنيع محلية للسماح للسيارات الصينية الجديدة بدخول أسواق الاتحاد الأوروبي، في خطوة تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها تعكس محاولة كبح جماح التمدد الصيني السريع.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتراجع مبيعات السيارات الألمانية بصورة ملحوظة، وأن تلجأ شركات عريقة إلى تقديم حوافز مالية سخية لإقناع المديرين بمغادرة مناصبهم سريعاً، في واحدة من كبرى عمليات إعادة الهيكلة التي يشهدها القطاع منذ عقود.

ولعل الدرس المستفاد أن الريادة لا تبقى للأسبق في ميدانه، بل للأسرع في التكيف مع تغيرات المستقبل.