علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

التعليم

استمع إلى المقالة

كان التعليم في الماضي البعيد عبارة عن كتاتيب، وهو أقرب إلى أن يكون قطاعاً خاصاً، فقد كانت العملية التعليمية تتم في المساجد، وكان المعلم يتقاضى أجره من أولياء الأمور، إما نقداً، وإما مقايضة بقمح، أو تمر، أو غيرهما.

وكانت الكتاتيب تؤدي دوراً تعليمياً مُهماً وموثوقاً رغم أنها قطاع خاص، وكان المعلم إذا رأى طالباً لا يصلح للعملية التعليمية، كأن يكون قليل الاستيعاب مثلاً، يقول لولي أمره: «ابحث له عن مهنة أفضل من التعليم»، وبالفعل ينجح هذا الفرد في تعلم مهنة تفيده، وتفيد مجتمعه بدلاً من أن يضيع وقته سُدىً في التعليم. وما ساعد على استقلال الكتاتيب أن بعض الميسورين يخصصون لها أوقافاً لكي تؤدي دورها باستقلال، وقد نجحت الكتاتيب في تخريج علماء أفذاذ في مختلف العلوم، ولم يقتصر دورها على محو الأمية فقط.

ومع نشوء الدولة العربية الحديثة سيطرت الدول العربية المستقلة حديثاً على التعليم، وجعلته مجانياً، وأصبح المعلم مستقلاً، ويقبض مرتبه من الدولة، فعانى الرعيل الأول من الطلبة من جور المعلمين، وكان ضرب الطلبة المبرح سمة ذلك الوقت، وبموافقة أولياء الأمور الذين يرغبون في تعليم أبنائهم، وكانت مشاهدة الضرب بالفلقة أمراً عادياً، والضرب بالفلقة يعني شد الرجلين بحبل موصول بعصى، ورفع الرجلين بمحاذاة يد المعلم ليبدأ الضرب وكأن الطالب مجرمٌ.

بعد ذلك أدركت الجهات المشرفة على التعليم خطأ هذا الأسلوب، فقلصت صلاحيات المعلم، وأوقفت الضرب، ولكن استمر التعليم مستقلاً بحكم أن الدولة هي التي ترعاه، وتصرف رواتب معلميه.

بعد ذلك جاء دور التعليم الخاص، بحيث أصبحت بعض المدارس وبعض الجامعات العربية تدار وفق نظم تجارية بحتة هدفها الربح، وقد تهمل في أحيان كثيرة قضية التعليم، بمعنى آخر أن ذلك جاء على حساب جودة التعليم؛ إذ أصبح الأساتذة يجاملون الطلبة، وأصبحوا يقربون لهم أسئلة الامتحانات، وفي أحيان كثيرة يفشونها بغية جلب عدد أكبر من الطلبة للتسجيل في المدرسة، بحكم أن الطلبة هم من يدفعون رواتبهم عبر تسديد رسوم الدراسة.

عمليتان متضادتان، فحين كان التعليم مستقلاً كانت العملية التعليمية متشددة تجاه الطلبة، وكانت الدرجات تُعطى بتقنين شديد لهم، وكان التسرب من التعليم واضحاً بحكم الشدة غير المبررة تجاه الطلبة، وحين أصبح التعليم تجارياً أصبح متساهلاً لدرجة أن الجميع يجتاز المراحل التعليمية بسهولة، لتتخرج لدينا مجموعة من حملة الشهادات لا حملة العلم.

فحريٌ برجال التعليم أن يفكروا في نظام تعليمي يضعون شروطه وأحكامه وفق تجاربهم الطويلة، بحيث يجمع بين مزايا التعليم العام ومزايا التعليم التجاري، ليتخرج لدينا متعلمون بدلاً من حملة شهادات، ورجال التعليم لديهم من الخبرة المتراكمة التي تمكنهم من إيجاد نظام وسطي يعطي الطالب حقه، ويفي بشروط العملية التعليمية الصحيحة. ودمتم.