د. عمرو الشوبكي
TT

كأس العالم «بين عالمين»

استمع إلى المقالة

شاهدت كأس العالم مرة واحدة في البلد الفائز بالكأس، وكان ذلك في فرنسا عام 1998 حين كنت أدرس في باريس، وبقيت أحداث تلك الفترة عالقة في الذهن حتى الآن، عزَّزها احتفاظي بصور وبتدوينات متفرقة عن تلك الفترة وحتى فوز فرنسا على البرازيل في المباراة النهائية وحصولها للمرة الأولى على الكأس.

وظلت مشاهد «كأس العالم الفرنسية» حاضرة في الذهن واستدعيتها في محطات عديدة، وقارنتها بما يجري في بلدان أفريقية وعربية أخرى لم يحصل أي منها على كأس العالم، إنما وصلت إلى أدوار متقدمة أو نالت لقب «التمثيل المشرف» أو حصل منتخبها على بطولة أفريقية.

صحيح أن فوز فرنسا للمرة الأولى بكأس العالم أشعل أفراح و«ليالي ملاح» وخرج مئات الآلاف من البشر إلى الشوارع والميادين وحتى محطات المترو والقطارات احتفالاً بهذا الفوز، إلا أنه ظل لديَّ شعور عميق بأن هذه الاحتفالات مختلفة عن نظيرتها في بلادنا، واعتبرت أن الفارق يرجع إلى أن هذه الانتصارات الكروية محاطة بانتصارات أخرى صناعية وعلمية وسياسية وثقافية تُهدئ من درجة انفعالات الناس ولا تلغيها.

وكان إحراز اللاعب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان هدفين في المباراة النهائية أمام البرازيل، عاملاً إضافياً في شعور ملايين الفرنسيين من ذوي الأصول العربية والأجنبية بأن منتخب فرنسا يمثلهم، وشاركوا بحماسة لافتة في احتفالات هذا الفوز، وكان العنف استثناءً من هذه الاحتفالات، على عكس ما يحدث الآن حيث تشهد العاصمة الفرنسية حوادث عنف عقب فوز أنديتها أو خسارتها على السواء.

أما المشاهدة الأوروبية الثانية فكانت في بلد شديد الهدوء والتحضر هو السويد، عقب مشاركتي في أحد المؤتمرات في جزيرة فيزبي، وذهبت بعدها إلى استوكهولم في موعد مباراة فريقها الوطني مع سويسرا في كأس العالم في 2018، ودُهشت بأن الحياة كانت تسير بشكل طبيعي، فليس هناك أي مظاهر للاحتفال، ولا أحد تقريباً يتكلم في الكرة أو عن المباراة التي ستُجرى بعد ساعات قليلة، وجاءت الساعة الرابعة وجلست في أحد المقاهي أشاهد المباراة مع أعداد كبيرة من الناس أغلبهم كان يشجع بحماسة ويقف حين تضيّع السويد فرصة هدف، وظل هناك جزء يشجع بهدوء نادر لا يختلف كثيراً عن موقفي المحايد.

اللافت أن بعد فوز السويد في هذه المباراة لم أسمع في وسط المدنية صوت آلة تنبيه واحدة إلا من بعض سائقي التاكسي في المحطة الرئيسية، وبدا من ملامحهم أنهم من أصول أجنبية، وبات المشهد السويدي مختلفاً حتى عن الفرنسي، وعن دول أوروبية أخرى تحتفل بانتصارات فرقها بصورة أكبر من السويد و«أخف» من بلادنا.

وإذا كان الفرح بفوز المنتخب الوطني في بلد أوروبي مثل السويد أقل من فرح فرنسا وإيطاليا وإسبانيا الفائزة للمرة الثانية بكأس العالم، إلا أن هذا لا يعني أن هذه البلاد تفرح بطريقتنا نفسها في العالم العربي أو في أميركا الجنوبية وأفريقيا، لأن الفرح الذي سبق وشاهدته في فرنسا عقب فوزها بكأس العالم كان كبيراً ولكنه كان مختلفاً عمَّا يمكن أن نشاهده في بلدان «الجنوب»، ليس بسبب فارق الثقافة وحرارة الناس وكل ما يمكن أن يقال حول طبائع المجتمعات وعاداتها، وهو ما ينطبق أكثر على الفارق بين فرنسا والسويد، وليس مع دول الجنوب التي تتحول فيها الحماسة للكرة إلى نوع من التعويض عن أي إخفاق سياسي واقتصادي وليس مجرد ساحة للمتعة والفرح، على عكس البلاد المتقدمة التي يخفف من حدة مشاعر شعوبها الكروية وأفراحها وأحزانها نجاحها في مجالات أخرى، كالتقدم العلمي والتكنولوجي والإنجاز الاقتصادي والسياسي، والحضور الدولي، والنشاط الثقافي، وغيرها.

يقيناً؛ تعامُل الشعوب والمجتمعات مع كرة القدم وكأس العالم يقول إن الفرح للفوز والحزن للخسارة، وهي ظاهرة إنسانية عالمية عابرة للحدود والثقافات، ولكنها تختلف في درجتها وطريقة التعبير عنها من سياق ومن بلد إلى آخر، فمثلاً التسييس الكامل والتلاسن القاسي الذي حدث بين مصر والجزائر عقب مباراة شهيرة جرت في السودان في 2009 لم نجده بهذه الصورة مع حادثة بشعة جرت في مباراة كرة قدم عام 1985 بين مشجعي ليفربول ويوفنتوس، حيث ضبطت منظومة العدالة الناجزة والمحاسبة والشفافية مرتكبي الاعتداءات من دون حملات تعميم وسباب على شعب بأكمله. سيظل العنف والفرح للفوز والحزن للخسارة ظاهرة عابرة لكل الثقافات والمجتمعات ولكن يظل الفارق في درجتها وحدودها وقدرة دولة القانون على محاسبة المخطئ وخلق ثقافة مجتمعية ترفض التعميم، فمشجعو الكرة هم جزء من الشعب وليسوا كل الشعب، و«الفوز» الاقتصادي والعلمي والصناعي قادر على أن يضبط مشاعر وحدود الفوز أو الخسارة الكروية.