ماكس هاستينغز
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

هيمنة أميركا في ساحة المعركة تواجه تهديداً خطيراً

استمع إلى المقالة

يشتري الجيش الأميركي 50 ألف طائرة مسيّرة سنوياً، ومن المقرر زيادة العدد إلى 340 ألفاً خلال 2027. هل يبدو ذلك كثيراً؟ نعم، لكن تنتج أوكرانيا وتطلق 4 ملايين طائرة سنوياً. على الجانب الآخر، دمّر صاروخ إيراني قصف قاعدة جوية أميركية طائرة «إي- 3 سينتري» المزودة بإنذار مبكر ويبلغ سعرها 300 مليون دولار. هل يمكن لأميركا تحمل تلك التكلفة؟ ربما، لكنها كانت من ضمن أسطول أميركي مكوّن من 16 طائرة من ذلك النوع، وبات عدد طائراته حالياً 15.

في الوقت ذاته، أظهرت القوارب السطحية المسيّرة من طراز «كاميكازي» الخاصة بأوكرانيا، التي يبلغ سعرها 300 ألف دولار أميركي، في البحر الأسود قدرة على تدمير سفن حربية تبلغ تكلفتها مئات الملايين من الدولارات، حيث أغرقت 13 سفينة روسية، ودمّرت أكثر من ذلك بكثير. أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فيعتقد خبراء أن هذا يهدد بسحق الريادة التكنولوجية التي تمتلكها الولايات المتحدة في مواجهة أعداء فعليين ومحتملين منذ الحرب العالمية الثانية.

تتشكل الحروب والاستراتيجية والأسلحة بسرعة استثنائية، ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك حتى الآن القوة العسكرية الأكبر، لكن تواجه قدرتها على الهيمنة على ساحة المعركة، ناهيك عن منطقة بأكملها، تهديداً مستمراً.

لا تزال إيران صامدة بعد تحمل أضخم قوة نارية استطاعت أميركا وإسرائيل توجيهها نحوها. منذ 2022 تواجه أوكرانيا روسيا دون تحقيق تقدم كبير. قبل ذلك، كنت من بين الذين يخشون من انهيار دفاعاتها في ظل تقارب الرئيس دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتراجع واردات الأسلحة إلى كييف، خصوصاً صواريخ الدفاع الجوي.

بدلاً من ذلك، نشهد هجوماً مضاداً استثنائياً من أوكرانيا باستخدام أسلحة مصنّعة محلياً وبتمويل من أوروبا بشكل أساسي. لقد قلبت براعة الشعب المحاصر الموازين على الخطوط الأمامية، وعلمتنا الكثير ليس فقط عن هذه الحرب، بل عن الوجه المرجح لكل حرب في المستقبل.

يقتل الأوكرانيون قوات روسية بمعدل تقديري يبلغ 10 آلاف مقاتل شهرياً، أي بإجمالي يبلغ نحو نصف مليون منذ 2022، وهو ما يمثل على الأقل خمسة أمثال الخسائر الأوكرانية. الطائرات المسيّرة مسؤولة بشكل كبير عن الإصابات الروسية. لا يشير محلل عقلاني إلى أن تلك الوسائل ذات التكنولوجيا المنخفضة تجعل كل أنظمة السلاح باهظة الثمن لا ضرورة لها. لقد تمكّنت الطائرات الأميركية والإسرائيلية من ضرب أهداف إيرانية، ونفذت أكثر من 13 ألف هجوم، وكان معدل خسائرها منخفضاً للغاية. كل من نظامي الدفاع الجوي الروسي والأوكراني قابلان للاختراق.

مع ذلك نطاق الاستجابة الكلي الضروري للتصدي إلى سرب من الطائرات المسيّرة أو وابل من الصواريخ يخيف الدول ذات الموارد المحدودة. لقد استخدمت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها من صواريخ «باترويت» منذ هجومها هي وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى جانب أكثر صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة «ثاد»، وسوف تحتاج إلى سنوات لإعادة تعبئة مخزونها. إذا شنّ عدو هجوماً جديداً في أي مكان في العالم، الصين ضد تايوان إذا ما أردنا تقديم أوضح مثال، فسوف تجعل الحرب الاختيارية، التي يخوضها ترمب ضد الجمهورية الإسلامية، قواته المسلّحة غير مجهزة بشكل جيد للمواجهة.

تدفع أميركا ما يقدر بـ4 ملايين دولار في كل مرة يُطلق فيها صاروخ «باترويت» على طائرة إيرانية من طراز «شاهد»، التي تكلّف طهران ما بين 7 آلاف و35 ألف دولار. وتبدي البحرية الأميركية حذراً شديداً تجاه السماح لحاملاتها الضخمة، التي تبلغ تكلفتها 13 مليار دولار، إضافة إلى 10 مليارات أخرى لكل منها للوحدات الجوية، بدخول أي بقعة تقع ضمن نطاق النيران الإيرانية في مضيق هرمز.

بطبيعة الحال، الذكاء الاصطناعي هو الوحش في الساحة. تشهد تلك التكنولوجيا تقدماً سريعاً لدرجة تجعل من الصعب على أسرع قسم مشتريات دفاع تحديد ما يشتريه. ونظراً لأن الولايات المتحدة وحلفاءها مجتمعات منفتحة، يصبح التجسس ضد مؤسساتها المتطورة سهلاً بشكل مرعب.

لا تخجل شركات صينية مثل «ديبسيك» و«مونشوت» و«ميني ماكس» من تعقب وملاحقة كل تطور يحققه الرواد الأميركيون برئاسة كل من شركة «أنثروبيك بي بي سي» و«أوبن إيه آي» و«غوغل»، ثم إنتاج نماذجها بجزء ضئيل من التكلفة. ويبدو أن مصير محاولات الاتفاق على إجراء تنظيمي دولي خاص بالذكاء الاصطناعي هو الفشل.

لا أحد يعلم ما نتيجة التنافس الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري، باستثناء أن الخاسر سوف يشعر بالأسف والأسى. ويُنقل على نطاق واسع أن بعض الهجمات الجوية الإسرائيلية على غزة، التي أسفرت عن مقتل كثير من المدنيين الفلسطينيين، كانت موجّهة باستخدام الذكاء الاصطناعي. ورغم عدم تأكيد هذا الأمر رسمياً، يوضح ذلك الأمر الشر المحتمل للذكاء الاصطناعي، إذا ما صُرّح له بالقتل.

أميركا والصين وروسيا اليوم هي الدول الوحيدة القادرة على تحمل تكلفة نشر قوات كبيرة على النطاق العسكري الكامل، وكل دولة أخرى ملتزمة باتخاذ قرارات صعبة بشأن الموقع الذي تستثمر فيه مواردها المحدودة. نشرت بريطانيا «خطة استثمار دفاعي» تعد بالالتزام بالطائرات المسيّرة بشكل كبير على حساب استبعاد مزيد من السفن الحربية.

الأمر الوحيد المؤكّد، كما هي الحال في التجربة الإنسانية، هو أننا سوف نواجه تهديدات غير متوقعة كلياً من تكنولوجيا آخذة في التطور. وينبغي أن يكون عزاؤنا هو أننا، على عكس التوقعات المنتشرة، صمدنا وحافظنا على بقائنا لمدة 81 عاماً من العصر النووي.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»