أكثر الكلمات استخداماً في عالمنا هي «النظام». نستخدمها كل لحظة لكي نشدد على أن النظام القديم قد انتهى، والجديد لم يبدأ بعد. وقد يضيع ولا يبدأ أبداً مثل سلفه. قام النظام القديم على خمس سرديات أو أساطير بعد الحرب العالمية الثانية، الأكثر توحشاً في تاريخ البشرية.
لم يعثر الناس على كلمات تصف الدمار الذي لحق بكوكبهم، فلجأوا إلى الرموز التي تصور هلعهم. وهكذا، توقعوا حصول «هرمجدون»، أي القيامة.
وكان هناك البطل أو الجندي الغربي، و«الوحش» أو النازي الألماني، و«الشهيد» أو ضحية المحرقة اليهودية.
غير أن النظام ضمّ أيضاً عناصر إضافية بعد الحرب، مثل الأمم المتحدة ومنظماتها، مثل الصحة (الفاو) والبنك الدولي واليونسكو. وكانت السردية الأهم النهضة العمرانية والثقافية والفنية.
وأما «القيامة» فقد أصرّ بعض شهودها على أنها حدثت حقاً. كمثل اليابانيين الذين رأوا هيروشيما، أو البولنديين الذين عاشوا ما حلّ بالعاصمة وارسو، أو الألمان الذين كانوا في درسدن، التي ظل الحلفاء يقصفونها إلى أن تحولت إلى رماد وحجر وغبار.
كانت المؤسسات الدولية مرجعاً أخلاقياً أيضاً. مثل مجلس الأمن والخوذ الزرقاء. غير أن معظم هذه المرجعيات في حالة إفلاس الآن. و«الوحش» الذي كان النازي في النظام السابق هو الآن الإسرائيلي، و«الشهيد» لم يعد ضحية «المحرقة»، بل ابن غزة وجنوب لبنان. أين يمكن العثور على «النظام» الجديد، وسط هذه الانهيارات القيمية في كل مكان، وفي هذا التلاشي الضارب في المؤسسات، حتى العظم، كما في بلاغيات علي صالح السعدي رحمه الله؟!
