سأتحدث في هذه المقالة أو سأبدأ فيها حديثي عن رسالة الدكتور طه حسين التي حصل بها على الدكتوراه من جامعة السوربون، ودرس فيها «مقدمة ابن خلدون» وسماها «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، وهي، هذه الفلسفة، التي أثارت إعجاب العالم بابن خلدون الذي لا نعرفه، نحن ورثته، أو لا نعرف عنه إلا القليل.
وكيف نعرف ابن خلدون وهو غائب عندنا لا وجود له في وسائل إعلامنا، وفي برامجنا الدراسية، وفي إنتاجنا الفكري، اللهم إلا مؤلفات قليلة صدرت عنه في هذا العصر، في مقدمتها هذه الرسالة، رسالة طه حسين، التي كتبها عام 1917 باللغة الفرنسية طبعاً، فلم يكن متاحاً للقارئ العربي أن يطلع عليها إلا بعد أن تُرجمت للعربية، وهذا ما حدث، فقد ترجمها كاتب مصري عاصر طه حسين وترجم رسالته، وهو الأستاذ محمد عبد الله عنان. وقد صدرت هذه الترجمة في عام 1925، أما الطبعة التي حصلت منها على نسختي من رسالة طه حسين وقرأتها فقد صدرت في العام الماضي، بعد مائة عام من صدور الطبعة الأولى منها. ولا أدري إن كانت طبعات أخرى صدرت من هذه الترجمة التي كانت لا شك مطلوبة، أم أن مائة عام مرت دون أن يعاد طبعها؟
غير أن المترجم الأستاذ عنان لم يكتفِ بالترجمة التي قدَّمها لرسالة طه حسين، وإنما أضاف لها كتاباً جديداً ألَّفه عن ابن خلدون بعنوان «ابن خلدون - حياته وتراثه الفكري»، وقد صدرت من هذا الكتاب طبعتان استطعت أن أحصل على نسختي من الطبعة الثانية التي صدرت في الخمسينات الأولى من القرن الماضي، قرأتها هي أيضاً، كما قرأت عن دراسات أخرى صدرت في تونس، ولبنان، والمغرب للأمير شكيب أرسلان، والأساتذة عبد الله العروي، وإسماعيل سراج الدين، وجميل صليبا، وأحمد حوفي، وآخرين. وقد بحثت في مكتبات القاهرة عن نسخ معروضة من هذه المؤلفات التي صدر معظمها في النصف الأول من القرن الماضي حين حلَّت الذكرى المئوية السادسة لميلاد ابن خلدون، واحتفل بها المثقفون العرب، وخاصة في تونس، حيث وُلد ابن خلدون ونشأ، وفي مصر حيث قضى الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن - أقول إنني بحثت عن نسخ من هذه المؤلفات فلم أجد؛ ولهذا أناشد الجهات التي نشرتها، الحكومية والأهلية، أن تقدم طبعات جديدة لجمهور ينتظرها.
ولا شك أن في هذه الأعمال قيمة نحتاج إليها لنعرف ابن خلدون: الرجل، والفيلسوف، والعصر الذي عاش فيه، لكنها لا تكفي وحدها، فضلاً عن أن معظمها نفد كما قلت، فنحن في أشد الحاجة إلى إعادة طبعها، وللنظر فيها لاستكمالها بما يستطيع المعاصرون أن يقدموه احتفالاً بالذكرى المئوية السابعة لمولد ابن خلدون.
وإذا كان الأوروبيون قد اكتشفوا قبلنا ما قدمه ابن خلدون للتراث العربي والتراث الإنساني، أو أسهموا على الأقل في اكتشافه فنحن نحتاج إلى أن نرى الصورة التي رسمها الأوروبيون لابن خلدون؛ لأنها ستطلعنا دون شك على سمات وجوانب تغتني بها رؤيتنا له، ونعرف بها مدى تأثيره في الثقافة الأوروبية الحديثة. ولهذا؛ أناشد الباحثين العرب في علم الاجتماع أن يرشحوا لنا ما يمكن أن نترجمه من أعمال الأجانب الأوروبيين وغير الأوروبيين المكتوبة عن ابن خلدون.
وأمامنا ست سنوات نستطيع فيها أن نعرف ما يستحق أن يترجم وأن نقوم بترجمته ليصدر في الاحتفال الذي ننتظر أن يشارك فيه الجميع، وأن يجعلوه فرصة سانحة للتواصل الذي نحتاج إليه أشد الحاجة لتنشيط العمل الثقافي العربي المشترك. وهذا واجب ملح لم يعد مقبولاً أو محتملاً تجاهله أو تأجيله في الظروف الراهنة التي يتعرض لها الوجود العربي لما يفرض علينا أن نستشعر كل طاقاتنا، ونستنفر كل قوانا. ولدينا هذه المؤسسات التي أُنشئت لتقوم بهذا الواجب، ومنها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تمارس نشاطها في تونس مسقط رأس ابن خلدون، وهذا اعتبار يضاف إلى غيره من الاعتبارات التي تبرر لنا أن نطالب المنظمة بأن تبادر من الآن للتفكير في الاحتفال بابن خلدون الذي آن لنا أن ننصفه، وأن نذكّر به أنفسنا، ونذكّر به العالم الذي شهد له بالسبق وأحلّه المكانة التي يستحق أن يحتلها بين الرواد الأوائل الذين أسسوا للثقافة الإنسانية في هذه العصور الحديثة، بل لقد سبق الذين ظهروا بعده بقرون على اختلاف آرائهم ومذاهبهم، أنصار الحرية، وأنصار الطغيان. ومن هؤلاء الأخيرين مكيافيللي الذي ظهر بعد ابن خلدون بمائة عام، وعبَّر عن آرائه في كتابه «الأمير» الذي انتقد فيه ثقافة العصور الوسطى، لكنه وقف فيه إلى جانب الطغيان. ومنهم الفيلسوف الفرنسي المشرع مونتسكيو صاحب «روح القوانين» الذي عاش في القرن الثامن عشر، ومنهم أوغست كونت الذي عاش في القرن التاسع عشر، وسمى «علم الاجتماع» بهذا الاسم الذي أصبح مصطلحاً متداولاً في العالم يشير إلى هذا العلم الذي يبحث في الأطوار العقلية والأخلاقية التي تتشكل بها الجماعات الإنسانية، وهذا هو بالضبط العلم الذي سبق إليه ابن خلدون، وعرض فيه كما جاء في رسالة طه حسين القوانين التي تعمل طبقها النظم الاجتماعية بشكل واضح، وإليك منهج ابن خلدون كما شرحه بنفسه في خطبته وفي مقدمة مؤلفه، فهو يقول في الخطبة: «إذ هو (التاريخ) في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يُعدّ في علومها وخليق».
وقد سمّى ابن خلدون كتابه الذي قدم فيه هذا العلم وسماه «علم العمران»، سماه «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر». وهو ثلاثة أقسام، يتضمن أولها تمهيداً في درس التاريخ ومقدمة في الحضارة، ويتضمن القسم الثاني تاريخ العرب وغيرهم من الشعوب منذ بدء الخليقة إلى القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن خلدون، وهو الرابع عشر الميلادي، ويتضمن الثالث والأخير تاريخ البربر، وينتهي بسيرة ذاتية تحدث فيها ابن خلدون عن نفسه حديثاً مفصلاً وصريحاً تحول إلى كتاب مستقل، وهذه السيرة عمل فريد لم يسبقه إليه كاتب أو شاعر عربي آخر.
... وللحديث بقية.
