عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

استمع إلى المقالة

عندما استعاد الجيش السوداني والقوات المشتركة منطقة جبرة الشيخ في كردفان أواخر الشهر الماضي، لم يكن أكثر المشاهد تأثيراً هو حجم الدمار العسكري، بل ما حلّ بالمستشفى الرئيسي في المنطقة. فقد خرج المستشفى تماماً عن الخدمة، بعد أن تعرّض لأعمال التدمير والنهب والتخريب التي لم تسلم منها غرف العمليات ولا عنابر الأطفال ولا المرافق الحيوية. وتحولت منشأة، يفترض أن تكون ملاذاً للمرضى، إلى ثكنة عسكرية ومخزن للسلاح، قبل أن تُترك خراباً ليُحرم آلاف المدنيين من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية.

لم يكن هذا المشهد استثناءً، بل امتداد لنمط تكرر في مناطق عديدة دخلتها «قوات الدعم السريع» خلال الحرب. فما زالت آثار الدمار ماثلة في الخرطوم والجزيرة وأجزاء واسعة من دارفور وكردفان؛ حيث استهدفت المرافق الخدمية والبنى التحتية والأسواق والمنازل، لتتجاوز آثار الحرب ساحات القتال، وتمتد إلى حياة المدنيين ومستقبل المجتمعات.

يصعب النظر إلى هذه الوقائع بوصفها أضراراً جانبية للحرب، فهي تتسق مع ما يُعرف بسياسة «الأرض المحروقة»، وهي استراتيجية تقوم على تدمير الموارد والمنشآت لمنع الخصم من الاستفادة منها. غير أن هذه الاستراتيجية تفقد أي مبرر عسكري عندما تُوجَّه ضد المدنيين ومصادر حياتهم، إذ تتحول من تكتيك حربي إلى وسيلة للعقاب الجماعي والترهيب، وقد ترقى، حسب ظروف كل حالة، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ولذلك، لا يقتصر أثر هذا النمط من التدمير على المباني، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فعندما تُحرق المنازل، وتُنهب الأسواق، وتُدمَّر المستشفيات والمدارس، لا يصبح الهدف مجرد السيطرة على منطقة، وإنما جعلها غير قابلة للحياة، ودفع سكانها إلى النزوح القسري، بما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد. وقد شهد السودان، لا سيما دارفور، نماذج مؤلمة لهذا النوع من الممارسات؛ حيث ارتبط إحراق القرى بتهجير جماعات سكانية كاملة.

إلى جانب ذلك، تؤدي سياسة الأرض المحروقة وظيفة نفسية لا تقل أهمية عن وظيفتها العسكرية. فالغاية ليست فقط السيطرة على الأرض، وإنما السيطرة على الإرادة. فعندما تنتشر صور القرى المحترقة والمستشفيات المدمرة والأسواق المنهوبة، يصبح الخوف نفسه سلاحاً. ويغادر المدنيون مناطقهم قبل وصول المهاجمين، فيتحقق الهدف من دون قتال يُذكر، لأن الرعب يسبق القوة المسلحة.

كما تترك هذه السياسة آثاراً بعيدة المدى على النسيج الاجتماعي، فإعادة إعمار المباني قد تكون ممكنة، لكن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات أكثر صعوبة. ومع استمرار النزوح والتهجير القسري، وتعطل الخدمات، وانهيار النشاط الاقتصادي، تتعمق الانقسامات الاجتماعية، ويصبح التعافي أكثر تكلفة وتعقيداً.

ولا يقف أثر هذه السياسة عند تمزيق النسيج الاجتماعي، بل يمتد إلى تعطيل فرص التعافي بعد انتهاء الحرب. فحين تُدمَّر المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والأسواق والمصارف، تصبح عودة السكان إلى مناطقهم محفوفة بالصعوبات، حتى بعد توقف العمليات العسكرية. فغياب الخدمات الأساسية وسُبُل كسب الرزق يؤخر استئناف الحياة الطبيعية، ويطيل أمد النزوح، ويزيد تكلفة إعادة الإعمار، لتظل آثار الحرب ماثلة لسنوات بعد أن تصمت المدافع، ويصبح التعافي نفسه من ضحايا سياسة الأرض المحروقة.

ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف الأعيان المدنية أو تدميرها من دون ضرورة عسكرية، كما تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها تجويع المدنيين وتدمير مصادر حياتهم. وتؤكد آليات الأمم المتحدة أن الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد قد تشكل جرائم حرب، بينما قد ترقى، إذا ارتبطت باستهداف جماعة محددة بقصد تدميرها كلياً أو جزئياً، إلى جرائم أشد خطورة وفقاً للقانون الدولي.

وفي هذا السياق، وثقت تقارير أممية ومنظمات دولية مستقلة انتهاكات جسيمة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، شملت القتل والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد على أسس عرقية. كما خلصت الولايات المتحدة إلى أن الهجمات التي استهدفت قبيلة المساليت في غرب دارفور ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية، في حين وصفت الأمم المتحدة ما جرى في الفاشر بأنه «وصمة عار على ضمير الإنسانية».

لكن، حتى من منظور سياسي بحت، فإن سياسة الأرض المحروقة تحمل في داخلها بذور فشلها. فالقوة قد تفرض سيطرة مؤقتة على الأرض، لكنها لا تكسب ولاء السكان. وعلى العكس، فإن تدمير المنازل والمستشفيات والأسواق وتجويع المدنيين يرسخ مشاعر العداء، ويقوض أي إمكانية لبناء شرعية أو قبول اجتماعي. وما يُهدم في أيام يحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائه، أما الثقة التي تُفقد بفعل هذه الجرائم فقد لا تعود أبداً.

ولهذا، فإن أخطر ما في سياسة الأرض المحروقة ليس حجم الدمار الذي تخلّفه، بل الأثر الذي تتركه في مستقبل المجتمع والدولة. فهي لا تكتفي بتخريب الحاضر، وإنما ترهن المستقبل لدورات جديدة من الكراهية والانقسام، وتجعل السلام أكثر بُعداً، حتى بعد أن تصمت المدافع. فالتدمير قد يكون سهلاً، أما إعادة بناء الإنسان والثقة والوطن فهي المهمة الأصعب.