مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

عاصفة غازي وعثمان

استمع إلى المقالة

نحن في شهر أغسطس (آب)، وفي الثاني منه من كل عام نستذكر حقبة عصيبة ولحظة وجودية مرّت بالأمن الخليجي بل العربي والعالمي قاطبة، لحظة امتُحن فيها النظام العالمي والقانون الدولي.

ذلك كان حين فاجأنا الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، في أغبى وأخطر قرار سياسي، بغزو الكويت وضمّها للجمهورية العراقية البعثية، هكذا بلمحة عين، وبقفزٍ على كل وقائع القانون والعُرف وعلاقات الجِوار.

منذ 2 أغسطس عام 1990 حتى تحرير الكويت في 28 فبراير (شباط) 1991، كانت الأيام العربية صاخبة والصحافة حافلة والمسرح السياسي عاصفاً، ومن أدرك وهو بوعيه الكامل تلك الأيام يُدرك عن ماذا نتحدّث.

من أهمّ السِّجلات الحافظة لحرارة تلك اللحظة، مقالات الوزير السعودي والكاتب والروائي والشاعر والدبلوماسي، الراحل غازي القصيبي، رحمه الله.

هذه المقالات التي كتبها إبّان تلك العاصفة، ووسمها باسم «في عين العاصفة»، ثم «بعد هبوب العاصفة»، ثم «على نارٍ هادئة». ونشرها في جريدتنا هذه «الشرق الأوسط»، وكانت من أشهر الأدبيات السياسية العربية، وما زالت.

المقالات بدأت بتاريخ 20 أغسطس 1990 وانتهت بمقالته الأخيرة «حتى نلتقي» التي ختم فيها سلسلة مقالاته بتاريخ 14 يوليو (تموز) 1991.

كتب الباحث السعودي قاسم الرويس في جريدة «الرياض»، قبل أكثر من 10 سنوات مستعرضاً سياق مقالات القصيبي، إبّان معركة تحرير الكويت، ثم قال: «نحن لا نحتاج إلى قصيبي آخر لأنه لا يمكن أن يتكرّر بقدر ما نحتاج إلى إعلامٍ واعٍ وأقلامٍ مضيئة تتعامل مع الظروف المحيطة والأزمات الحاضرة وتدير دفّة الرأي العام بكل شفافية».

لمقالات القصيبي هذه حكاية، نجد تفاصيلها في مقدّمة الأستاذ عثمان العُمير على الكتاب الذي جمع مقالات غازي، بنشر «دار جداول» السعودية، وكانت جرأة مشتركة ومبادرة فردية، من الصديقين المشاغبين: غازي وعثمان، ونِعم المبادرة!

المُراد هنا ليس الوقوف على تفاصيل المواقف السياسية العربية، ومن ساند صدّام وسوّغ ابتلاع الكويت باسم القضيّة - زعموا - بل عن «روح المبادرة» التي مثّلها غازي ودفع بها عثمان.

الذي يغيّر هو روح المبادرة وتحرير التفكير، والنزوع الفردي للعمل، ضمن سقف مُفترض وجوده مُسبقاً، هذا السقف هو: المعرفة، والإخلاص؛ إذْ لا يُغني أحدهما عن الآخر. قد تكون عارفاً لكنك صاحب هوى، أو تكون مخلصاً لكنك جاهلٌ «غشيم»!

إبداعات ومبادرات الأفراد أصحاب المعرفة والضمير النقيّ، الذين يَسِمون الزمان بمِيسمهم، هي لحظات تغيير مسار الزمن... وها نحن أولاء نستذكر مِثالاً مشرقاً على ذلك.