سوسن الأبطح
صحافية لبنانية، وأستاذة جامعية. عملت في العديد من المطبوعات، قبل أن تنضم إلى أسرة «الشرق الأوسط» بدءاً من عام 1988، كمراسلة ثقافية من باريس، ثم التحقت بمكتب الجريدة في بيروت عند افتتاحه عام 1995. تكتب بشكل رئيسي في المجال الثقافي والنقدي. حائزة درجة الدكتورة في «الفكر الإسلامي» من جامعة «السوربون الثالثة». أستاذة في «الجامعة اللبنانية»، قسم اللغة العربية، عام 2001، ولها دراسات وأبحاث عدة، في المجالين الأدبي والفكري.
TT

متى «أوديسة» العرب؟

استمع إلى المقالة

كيف يمكن لملحمة إغريقية، عمرها ثلاثة آلاف عام، كتبها شاعر مجهول لا نعرف إن وجد بالفعل أو هو رمز لمجموعة من المؤلفين، ولحكاية مركبة مملوءة بالأحداث والأسماء الصعبة، أن تجد سيلاً جارفاً من العشاق من مختلف الأجيال، في زمن تشتت الأذواق، وطغيان التسطيح، والتباهي بعبقرية الذكاء الاصطناعي في التأليف، وموت الكاتب وفوز الآلة.

كلها أسئلة محيرة، وأنت ترى إيرادات فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان، تقارب المليار دولار، والمتفرجين يتزاحمون لرؤيته، والكتاب نفسه ينفد ويعاد طبعه رغم ضخامته (12 ألف بيت شعري)، وكل ما يتعلق به تنتفض فيه الروح كأن سحراً مسّ البشرية، وأرجعها مئات السنين إلى الوراء، هذا عدا النقاشات والتحليلات الجادّة التي اشتقناها. حتى الأماكن التي صور فيها الفيلم، بات يحكى عن هجمة عليها من السيّاح، ونسبة الاستماع إلى كتاب الأوديسة الصوتي على «سبوتيفاي» ارتفعت بنسبة 752 في المائة في يوليو (تموز) الماضي مقارنة بالشهر الذي سبقه.

لا يمكن أن يعزى هذا كله لجنون «الترند» وفيروس العدوى، أو أن يقال إن السبب هو أن الفيلم يقدم وصفة جماعية للشفاء من العنف. ثمة جاذبية للصورة والإخراج العبقري، ومهارة في اختيار المقاطع المناسبة من الملحمة، والتركيز على رؤية تناسب العصر وآلام معايشيه، وحنين جارف من الجمهور إلى نصوص عبرت الزمن، وخبرتها التجارب، وأضفت عليها من دمها وعرقها وحزنها.

ربما سنرى حنيناً إلى الشعر وفتنة الأساطير وغواية الأدب الكلاسيكي الكبير في السنوات المقبلة، ولن تكون فورة سينمائية عابرة، تنتهي كما عشناها مع «باربي» و«أوبنهايمر» وغيرهما من أفلام الطفرة؟

عبقرية نولان ساعدته على اقتطاف جانب إنساني عميق ركز عليه في رحلة عودة البطل المظفّر أوديسيوس إلى وطنه، من دون أن يربكنا بتفاصيل جانبية مشتتة، وهو ما يعاني منه قارئ الأوديسة. لم يكن أوديسيوس في الفيلم بطلاً تائهاً في البحر فقط بل متألماً ومتأملاً مساره أيضاً. وبدل تمجيد انتصاره على أهالي طروادة، جعله المخرج يعيش عذاب الضمير، مما اقترفته يداه، كأنه وهو يحرق سور المدينة إنما يحرق العالم كله، معيداً متفرجه إلى التأمل في حروب العصر وكلفتها الباهظة، بدل استعراض البطولات العنترية. خدعة حصان طروادة التي يقرأها البعض بأنها «شطارة» وحنكة، تصبح موضع ألم وحرقة؛ لأنها تكشف خسة في تقديم هدية مفخخة لأناس أمنوا جانب عدوهم. ثمة من رأى في بحث أوديسيوس وتأملاته أثناء عودته إلى عائلته، حكاية لمواجع ملايين المهاجرين حول العالم، ومن فضل أن يحيلنا إلى وضاعة الحروب ونذالتها.

الناس فتنوا بعمل نولان الذي لا بد أن تقنيات التصوير الحديثة المستخدمة لعبت دوراً، لكن الاهتمام الجارف، يعود إلى ما قبل العرض. فمنذ الإعلان عن المشروع نهاية عام 2024، تضاعفت المبيعات التي لها علاقة بالملحمة الخالدة.

الظاهرة حتماً أوروبية، وإن امتدت إلينا بحكم العدوى. الأوديسة نص مؤسس للمخيال والثقافة الغربيين، لا تزال تقرأ وتدرّس باعتبارها نصاً مرجعياً حياً، محملاً بالدروس والحكم العابرة للأجيال، عن بطل ماكر، محنك، يتحايل على الظروف الصعبة، ويهزمها ويعود معذباً في مواجهة ذاته، وانزلاقاتها، ورغبتها الخالصة في الانخراط مرة أخرى في أحضان الأسرة.

فإذا كانت الإلياذة بالنسبة للغرب هي ملحمة البطولات العسكرية، فالأوديسة هي ملحمة تفوق الذكاء على القوة، وغواية السلطة، ومواجهة عصف الطبيعة، والحنين إلى الوطن، والعودة إلى العائلة. وأهم العبر جاءت عبر أوديسيوس الشجاع الجريء الفطن الذي يخوض مغامرة قاتلة ويخرج منها بنسخة أخرى مختلفة، وقد اغتسل بالتحديات. وبالنسبة إلينا نحن العرب هي نص نقرأه من باب المتعة والاطلاع على الأدب العالمي الكبير، وندرّسه لطلابنا الذين يعانون من حفظ أسماء الشخصيات الصعبة، والأماكن الجغرافية التي لا يعرفونها، وتتبع الأحداث الكثيرة المتداخلة.

لهذا فإن جنون «الأوديسة» يفهم بوصفه ظاهرة غربية، يمكن أن تتكرر في أي مكان. كأن يأتينا مخرج عبقري ويعيد لنا «ألف ليلة وليلة» بحلة غير معهودة، وتقنية غير مسبوقة، أو يضع لنا «حي بن يقظان» في إطار عصري خارق، أو يتحفنا بـ«رسالة الغفران» برؤية سينمائية خلّابة. عندها سترى الهجوم الحماسي على النص القديم، كأنه اكتسب نفحاً جديداً، واللغة العربية لمعت في أعين أهلها ومشاهدي الفيلم، وكأنها اكتشاف العصر. فقد تبين أن البحث عن تعلم اللغة اليونانية ارتفع بنسبة خمسة آلاف في المائة على محرك «غوغل» كرمى لعيني الشاعر الأعمى هوميروس ورائعته الخالدة «الأوديسة».