لكلّ حدثٍ عمقه، وسطحه؛ وآية ذلك أن الحروب بوصفها من الذروات القصوى القادرة على تغيير حركة التاريخ هي التي صاغت كل شيء على النحو الذي نعيشه، وسنعيشه إلى الأبد.
وما كانت الحرب نزوة عاطفيّة تخضع لمعايير المحبّة، أو الكراهية، فهي ليست ضمن أنماط الرغبة، ولا من طموحات المستقرّين، بل تتداعى قراراتُ شَنِّها على غرار التقاءِ أعوادِ الكبريت، لتبدأ الملاحم الصغرى، أو الكبرى، ثم تتجه الأمور نحو آفاقٍ تُعرف حدود أثرها بالمعنى العمومي، وإنما نتائجها الدقيقة تبقى مؤجلةً لحين تفتّق المشهد عن حيويّة تفاوضية، أو غلبةٍ عسكرية، أو تجدد الأحلاف الإقليمية، والعالمية.
وما نشهده الآن في هذه الحرب المتشابكة والأدوار الإقليمية لا يختلف كثيراً عن تلك الحروب التي خضناها مباشرةً بالتدخل العسكري، أو غير المباشر؛ بالدعم اللوجستي، بما فيه المادي، والسياسي.
لكن مع حوْمةِ النقاش وحيْرة المحللين الكثر على المنصات والمنابر تستبينُ لنا ملاحظتان أساسيتان برأيي:
أولاهما: إن التحليل المكثّف طغى عليه التفسير الأداتي للحرب، ولم يتجاوزه إلى ما هو بعد؛ من هنا أقترح أن نستعير من الفيلسوف الفرنسي جيل دلوز مفهومه «عمق، وسطح» وهو لا يعتني بالسياسة، وما طرح المفهوم لأجل بعدٍ سياسي، ولكنني أرى به مدخلاً للتفكير الأشمل، فالحرب هي سطح وقشرة لأمرٍ عميق، يصحّ ذلك حتى على الحروب القديمة في الشرق، والغرب، بينما لو فككنا العمق لعثرنا على دمامل التاريخ المتفسّخة تدفع باتجاه الاعتداء المستمر، وتكراره، وبل التربية على معاودات النزال، والقتال من أجل القتال.
ثانيتهما: صحيح أن السطح شارحٌ بارع ومفيدٌ لفهمنا اليومي، ولكن الاقتصار عليه في تفسير أي حربٍ يجعل النظرية التحليلية أكثر نقصاناً، ليس سراً أن الحروب مع العراق، والقلق الذي عاشه الإقليم معه منذ قرنٍ تقريباً ليس هدفه الشقّ العسكري فحسب، وإنما أيضاً الجوانب الأخرى، لذلك أثنّي على قول الأستاذ محمد الرميحي في مقالةٍ له نشرت بهذه الجريدة تحت عنوان: «أغسطس 1990... ذاكرة لا يجوز أن تشيخ» ومما قاله للأجيال الجديدة: «القيادة العراقية في ذلك الوقت أخذها الصلف والغرور إلى حسابات ثبت سريعاً أنها كانت كارثية. لم يكن أحد من أهل الحكم في العراق وقتها، كما قرأنا لاحقاً في مذكراتهم، قادراً على أن يناقش ما يتخذه صدام من قرارات، تلك صفات الديكتاتورية، فقام بغزو بلد جار، ومسالم، وشعب لم يتأخر عن نصرة القضايا العربية، وأعتقد أن الأمر يمكن أن يصبح حقيقة سياسية يقبل بها الآخرون مع مرور الوقت. ورافق هذا شن حرب إعلامية شعواء ضد الكويت ودول الخليج كانت شرسة، وظالمة».
في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي كتب عماد الدين الجبوري في جريدة: «إندبندنت عربية» مادةً حول «توينبي عندما يكتب عن العرب والإسلام» يشرح ذلك بقوله: «يدحض توينبي (نظرية البيئة) التي تنص على أن للبيئة أثرها وتأثيرها في تكوين الحضارات، فالجو والماء والمكان الجغرافي تعتبر الأركان الأساس والدافع الحقيقي لطبيعة التغيرات الحضارية». يرد توينبي قائلاً: «حقاً إن ظروف البيئة المتشابهة في واديي النيل والرافدين أتاحا مجتمعات وحضارات متشابهة، لكن كيف نفسر عدم وجود مجتمعات وحضارات متشابهة في وديان أخرى، مثل وادي ريوغراندي، ونهر كولورادو».
يمكن اعتبار التنافي الصامت بين جهات العروبة -كلٌّ ضمن انطلاقه وتاريخه الخاص- جزءاً من العمق الذي أشرتُ إليه، وهو عمق مملوء بالنفي، أو إعلان التفوّق سراً أو علناً، وهذا الذي علينا الانتباه له ساعة التعليق على الاشتباكات الدوريّة التي تحمل على دول الخليج الكثير من الأطماع، والفوقيّة أحياناً، وبرغم محاولاتِ حكماء الخليج أن ينهوا هذا الجرح التاريخي، غير أن الآثار الذاكريّة سرعان ما تتفوّق على خطابات التنمية، والعقل.
الخلاصة؛ إن التجديد في نمط التحليل للحدَث الجديد -أياً كان- بات ضرورياً، وذلك بغية الخروج من دوّامة التكرار. نعم؛ إن تعبئة الفراغات بكلامٍ عمومي تُخرج المتابع كما دخل من دون إشعال جذوةِ سؤال، أو نحتِ مشروع جواب، وهذه مسؤولية المحللين الاستراتيجيين الذين لم يقصّروا بالظهور، والحضور، ولكن لا بد من تغذيةِ القول بمستوىً من الوعي بالمجتمع، والتاريخ، وثقل الموروث القديم، هذا هو التحدّي الحالي؛ أن نفهم الحدث بعمقه وسطحه معاً.
