زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

سر الملكة حتب حرس الأولى... عودة أخرى

استمع إلى المقالة

تحدثنا في المقال السابق عن كشف البعثة الأميركية التابعة لجامعة هارفارد، بقيادة عالم الآثار الأميركي جورج رايزنر عام 1925، عن الأثاث الجنائزي للملكة حتب حرس الأولى (أم الملك خوفو صاحب الهرم الأكبر، وزوجة الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة من الدولة القديمة) عند الناحية الشرقية من هرم ابنها الملك خوفو فوق هضبة الجيزة.

كان من الواضح أن الأثاث الجنائزي للملكة قد نُقل من مكانه الأصلي إلى تلك المقبرة التي نصل إليها من خلال بئر منحوتة عمودياً في الصخر الطبيعي لهضبة الجيزة. لم يكن أمام المكتشف سوى أن يقوم بدور مفتش المباحث لحل لغز المقبرة. وبالفعل وضع رايزنر الأدلة كلها، بعضها إلى جوار بعض، في محاولة لاستنباط الحقائق التي من الممكن أن تكون مفتاحاً لـ«لغز المقبرة». وكانت البداية مع الأدلة التالية:

أولاً: الأثاث الملكي الذي عُثر عليه هو للملكة حتب حرس بلا شك، فاسمها وألقابها مكتوبة عليه بشكل واضح لا يدع مجالاً للشك في نسب هذا الأثاث إليها.

ثانياً: هذا الأثاث فعلاً استُخدِم في دفن الملكة، بدليل بقايا أحشائها الموجودة في صندوق الأواني الكانوبية.

ثالثاً: فخامة الأثاث لا تتناسب مع حجم حجرة الدفن المتواضعة أسفل البئر، والخالية من أي نقوش أو حتى صقل وتمهيد لجدرانها!

رابعاً: ترتيب الأثاث غير منطقي للغاية، فما كان مفترضاً العثور عليه في بداية الحجرة -مثل الأواني الفخارية والحجرية- عُثِر عليه في نهاية حجرة الدفن، والعكس صحيح؛ فما كان يوضع في نهاية المقبرة عُثر عليه في بداية حجرة الدفن! إن كل شيء داخل الحجرة كان معكوساً كما لو كان هناك أناس يُخرجون أشياء من مكان ويضعونها في مكان آخر!

خامساً: الملك سنفرو هو أعظم البنائين الفراعنة على الإطلاق، وقد بنى أربعة أهرامات، أضخمها هرماه المنكسر والأحمر في دهشور، وليس من المعقول أن فرعوناً بهذه الإمكانات لا يؤمِّن مقبرة ملكية فاخرة تليق بالزوجة الملكية وأم ولي عهده! كما أنه ليس من المعقول أن يسمح الملك خوفو بأن تُدفَن أمه الملكة حتب حرس في مقبرة متواضعة كهذه، لا تليق حتى بموظف من الطبقة الوسطى في عهده، بينما هو قد بنى أهرامات جميلة لزوجاته إلى الشرق من هرمه.

سادساً: لماذا عُثِر على تابوت الملكة مغلقاً ومختوماً، بينما المومياء غير موجودة داخله؟!

لقد وضع رايزنر كل ما تقدم بين يديه، ومن خلاله صاغ لنا تلك القصة: لقد دُفِنت الملكة حتب حرس في مقبرة بدهشور إلى جوار هرم زوجها سنفرو، وبعد فترة قصيرة خلال عهد ابنها الملك خوفو هجم اللصوص على المقبرة، وسرقوا المومياء بما عليها من حلي ومجوهرات، إضافة إلى ما غلا ثمنه وخف وزنه من كنوز المقبرة. علم الملك خوفو بما حدث من الكهنة؛ لكنهم خافوا أن يخبروه بأن جثمان أمه قد سرق، فأخفوا هذا الأمر عنه، وأعادوا غلق التابوت مرة أخرى لإخفاء معالم الجريمة البشعة، خوفاً من رد فعل الملك خوفو.

نُقِل الأثاث الجنائزي الخاص بالملكة -بناءً على أوامر الملك خوفو- إلى مقبرة مؤقتة بجوار هرمه لحين الانتهاء من بناء هرمها، وهو الشمالي من الأهرامات الثلاثة للملكات، وبالقرب من المقبرة المؤقتة للملكة. مات الملك خوفو في العام الـ38 من حكمه، وأشرف ابنه جدف رع على مراسم دفن أبيه، واستكمال دفن المراكب الجنائزية. وظلت المقبرة المؤقتة للملكة حتب حرس مخفية عن الأنظار، حتى اكتُشِفت بعد أكثر من أربعة آلاف سنة من دفنها في مكانها بالجيزة.

قصة شيقة ومقنعة تصلح لعمل سينمائي، ولكن تظل كل الأمور معلقة لحين الكشف عن أدلة أثرية تؤيد تلك القصة أو تنفيها. ويظل لغز الملكة حتب حرس الأولى أحد أهم الألغاز في الحضارة المصرية القديمة.