عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

الهجرة أزمة بلا حلول سهلة

استمع إلى المقالة

خلال هذا الأسبوع سُلطت الأضواء على خبرين يتعلقان بملف الهجرة، يكشفان جانباً من مفارقاته وتعقيداته والتحديات التي يفرضها على دول العالم.

في بريطانيا، حظي باهتمام واسع إعلان وزارة الداخلية عن توجهات جديدة لتشديد سياسات الهجرة واللجوء، من بينها إلزام طالبي اللجوء بأن يسددوا لاحقاً ما يصل إلى 10 آلاف جنيه إسترليني (نحو 13230 دولاراً) مقابل تكاليف إقامتهم في الفنادق أو المجمعات السكنية، إضافة إلى نفقات المعيشة. وفي حال عدم السداد، قد يُحرم الشخص من حق الاستقرار في بريطانيا أو العودة إليها إذا جرى ترحيله.

أما الخبر الثاني فجاء من جنوب أفريقيا، حيث شهدت مدن عدة مظاهرات تطالب بمغادرة جميع المهاجرين غير النظاميين، في تجدد لموجة الاحتجاجات المناهضة للهجرة.

تكمن المفارقة في أن عدد المهاجرين في جنوب أفريقيا، والمقدر بنحو ثلاثة ملايين شخص، لا يمثل سوى نحو 4 في المائة من السكان، وهي نسبة تعد منخفضة نسبياً وفق المعايير العالمية. ففي أستراليا تبلغ نسبة المهاجرين نحو 30 في المائة من السكان، وفي كندا نحو 20 في المائة، وفي بريطانيا 17 في المائة، وفي مصر نحو 10 في المائة، وفي تركيا قرابة 8 في المائة، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

وتخفي هذه الأرقام مفارقة أخرى؛ فالولايات المتحدة تضم أكبر عدد من المهاجرين في العالم، إذ يتجاوز عددهم 52 مليوناً، لكن نسبتهم إلى إجمالي السكان تبلغ نحو 14 في المائة فقط، وهي أقل من نظيرتها في دول مثل كندا وأستراليا. وفي المقابل، لا يتجاوز عدد المهاجرين في الدنمارك 862 ألفاً، ومع ذلك تطبق كوبنهاغن بعضاً من أكثر سياسات اللجوء تشدداً في أوروبا.

الهجرة من أكثر القضايا تعقيداً، وكذلك سبل التعامل معها، خصوصاً مع وصول أعداد النازحين واللاجئين إلى مستويات قياسية نتيجة الحروب والصراعات والتغير المناخي والتفاوت الاقتصادي. كما أن تنوع مسارات الهجرة جعل إدارة الحدود أكثر صعوبة وتعقيداً.

وفي كثير من الدول، تتداخل الهجرة مع قضايا داخلية مثل ركود الأجور، ونقص المساكن، والضغط على الخدمات العامة كالصحة والتعليم، وهو ما يعزز الشعور بوجود منافسة على الموارد، حتى في الحالات التي تسهم فيها الهجرة في سد النقص في سوق العمل.

ولم يتردد كثير من السياسيين في توظيف ملف الهجرة باعتباره قضية انتخابية، عبر تصويره بوصفه تهديداً للأمن أو الهوية الثقافية، الأمر الذي دفع حتى أحزاب الوسط واليسار إلى تبني مواقف وسياسات أكثر تشدداً.

كما تؤدي التغطية الإعلامية المستمرة دوراً مزدوجاً؛ فهي تنقل الوقائع، لكنها قد تكرس أحياناً صورة ذهنية تختزل الهجرة في مشاهد القوارب المكتظة أو طوابير اللاجئين، بما يعزز المطالبة بإجراءات أكثر صرامة. ويزداد الأمر تعقيداً مع منصات التواصل الاجتماعي التي تُستغل في تضخيم جرائم فردية أو توترات مجتمعية، بما يغذي الاستقطاب ويؤجج المشاعر.

فهل هناك حل؟

لا يوجد حل واحد لهذه القضية المعقدة والمتعددة الأبعاد، وإنما تدور الآراء حول حزمة من الإجراءات، يختلف وزن كل منها وفق احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية والديموغرافية والجغرافية.

غير أن أي معالجة جادة لا بد أن تبدأ من الأسباب الجذرية للهجرة القسرية، وفي مقدمتها الحروب والفقر وتداعيات التغير المناخي. ولذلك تشمل الحلول المطروحة دعم التنمية في دول المصدر، وتحسين الظروف الاقتصادية فيها، وإبرام اتفاقيات مع دول العبور لإدارة تدفقات المهاجرين، وفتح مسارات قانونية، مثل التأشيرات الإنسانية وتصاريح العمل، بما يقلل من اللجوء إلى شبكات التهريب والرحلات المحفوفة بالمخاطر.

ولا يتعارض ذلك مع حق الدول في إدارة حدودها، وسن التشريعات المنظمة للهجرة، وإصلاح أنظمة اللجوء، وتسريع البت في الطلبات، والتصدي لحالات الاحتيال واستغلال النظام.

ويبقى التعاون الدولي حجر الزاوية في أي معالجة مستدامة، لأن الهجرة قضية عابرة للحدود لا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها. ويشمل ذلك تطوير الأطر الدولية الخاصة بالهجرة واللجوء، وتعزيز تبادل المعلومات لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتقاسم أعباء استضافة اللاجئين، والاستثمار في التنمية وإعادة الإعمار في الدول الهشة، بما يخلق فرص عمل وتعليماً أفضل ويمنح الناس أسباباً حقيقية للبقاء في أوطانهم.

هناك أيضاً مسؤولية كبيرة على عاتق الدول التي تُصبح طاردة لمواطنيها بسبب الحروب، وعدم الاستقرار السياسي، وضعف مؤسسات الدولة، والانهيار الاقتصادي. فتوفير الأمن والاستقرار، وسيادة القانون، وحماية حياة المواطنين وممتلكاتهم واجب أساسي لأي دولة. وترتبط بذلك مسألة إدارة الموارد، ومكافحة الفساد، وتبني سياسات اقتصادية عادلة ومستدامة، وتحسين خدمات التعليم والصحة والبنية التحتية، وتحفيز النمو الاقتصادي وتحسين فرص العمل، وتعزيز الحوكمة الرشيدة. فكلما استطاعت الدولة أن تمنح مواطنيها الأمل في مستقبل كريم داخل وطنهم، تراجعت دوافع الهجرة.

فمن دون هذه الرؤية الشاملة، ستظل الإجراءات الأمنية وتشديد الرقابة على الحدود مجرد معالجة مؤقتة للأعراض، لا علاجاً لجذور واحدة من أعقد القضايا على الأجندة الدولية اليوم.