قد يكون السؤال الذي وضعته عنواناً للمقال صادماً؛ ولكنه ملحّ للغاية في عصرنا الحديث، فالظاهرة الأصولية كعادتها تجيد المكر وتتفنن بالتموضع مع الموجات العلمية أو التنموية، وما كانت هذه بدعة جديدة، بل لدى الأصوليين تاريخ في محاولة انتزاع المفاهيم الفلسفية واستعمالها لمشاريعهم الآيديولوجية ولهذا أمثلةٌ كثيرة سبق التطرّق إليها في مقالاتٍ سابقة.
الآن وبعد طول ضربٍ وتشويه للفلسفة من قبلهم عبر التاريخ نراهم ينغمسون فيها بغية الظفر بمفاهيمها وإلغاء الدور الوظيفي الذي يجب أن تقوم به، مستعملين مجموعةً من كتب المفكّرين الذين يعجبونهم إما من اليساريين أو الناقدين للغرب، أو ممن يجامل الأصوليين بحججٍ سياسيةٍ واهية، وهذه الطريقة سبق أن استعملوها عبر التاريخ. ولكن السؤال كيف يمكن للأصولية أن تستثمر بالفلسفة؟! أجيب عن ذلك ببضع نقاط:
أولاً: وفق ما نقرأه لهم من أطروحاتٍ متلفزةٍ أو مكتوبة نجدهم يتجهون نحو النمط الفلسفي القديم المعادي للتفكير الفلسفي الحديث، وأذكّر هنا بما قاله الراحل جورج طرابيشي: «تماماً كما كان الأصوليون القدامى يقولون إنه لا يجوز لمجتهد أن يجتهد إلا وفقاً لمثال سبق، كذلك فإن المتفلسف العربي ـ ولا نقول الفيلسوف ـ يجد نفسه اليوم في وضعية من لا يستطيع أن يتفلسف إلا وفق مثال سبق. ولكن مع هذا الفارق: فما كان الأصوليون يضعونه في الماضي، يلقاه المتفلسف العربي مسقطاً أمامه في المستقبل. فسبق الغرب إلى اجتراح مأثرة الحداثة قد جعل كل ما يمكن أن يفكر به الملتحقون بركب الحداثة مفكّراً به مسبقاً». وهذا ما يفعله الأصوليون المتفلسفون اليوم.
ثانياً: إن الأصولية عبارة عن تنظيمٍ شامل وسريع لفهم الموجات والتقاطها؛ وحين صارت الفلسفة جزءاً من الأفكار التنموية الحيوية الصاعدة في الإقليم أدرك قادتها أن هذه الكعكة لا بد أن ينالوا نصيبهم منها قبل أن يستحوذ عليها «الليبراليون» أو «العلمانيون» كما يقولون، ومن ثمّ فإن قراءة أقرب موسوعة وحفظ بضعة مفاهيم تجعلانهم قادرين على مزاحمة أولئك بغية هزيمتهم أو على الأقل منافستهم أو تحييدهم وهذا من أهم الأسباب التي جعلتهم يقبلون على المجال الفلسفي بعد أن كانوا يكفّرون من يقرأ الفلسفة ويعادون من يبيع الكتب الفكرية والعلمية.
ثالثاً: نعلم أن الأصولية لا تعتمد على النقد والحوار كما هو شرط الفلسفة؛ وإنما تتعامل مع الآخر بالنفي، ومن ثمّ فإن المفهوم الفلسفي شكّل عنصر إحراجٍ كبيرٍ، ما عادت الأجيال الحاليّة الفتيّة تتقبل الخطاب الأصولي القديم المبني على الصراخ، فما من مناصٍ بالنسبة إليهم إلا في صهر المعنى الفلسفي مع الخطاب الآيديولوجي بغية إعادة التموضع والتمكّن من ترتيب نفوذهم الفكري في المجال العام، وقد نجح بعضهم في ذلك حيث الدخول إلى المجال الفلسفي عبر الدراسات والأوراق و«البودكاست» بشكلٍ خاص. مفهوم الفلسفة منبعه السؤال لا الجواب، ولذلك فإنهم يحاولون تدمير الأسئلة عبر الإجابات السريعة مستعملين مقولاتٍ لبعض المفكرين الذين يروقون لهم في الشرق والغرب وذلك بغية تفريغ الفلسفة من مضمونها العلمي.
الخلاصة؛ إن الظاهرة الأصولية أدركت وبقوّة أن المجال الفلسفي بات عنصر جذب للأجيال الصاعدة، وأرادت وخططت وعن عمد أن تخوض هذا المجال من أجل تبويب آيديولوجيتها ضمن التغيّرات التنمويّة الكبيرة وأساسها التطوّر في نمط التعليم، لقد حاربوا الحداثة كمفهوم بسيط في الإطار الفلسفي، ولكنهم الآن يغشون ندوات الفلسفة ويحاضرون فيها. وهذا ليس مفاجئاً بل جزء أصيل من التكوين العملي لديهم حيث التعامل مع الظواهر الحديثة بشكلٍ مصلحيّ بحت، فغاياتهم تبرر لهم كل الوسائل، الفلسفة فضاء حرّ مناخه السؤال والنقاش ومحاولة الفهم، وهذا ما يزعج الأصولية القائمة على الأجوبة المطقّمة والجاهزة.
