فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

أربعة أسباب تدفع سوريا إلى الأسوأ

استمع إلى المقالة

ليس من خلاف بين متابعي القضية السورية، حول أنها بلغت مستويات غير مسبوقة في التردي، وثمة تقدير يتفق عليه غالباً متابعو القضية خلاصته، أن التردي يزداد بشكل متسارع، ويزيد تسارعه من تعقيدات الوضع السوري، وبالتالي فإنه يطيل أمد الصراع، ويزيد ويعمّق صعوبات علاجه، ويجعل نتائجه أكثر كلفة على المستويين المادي والإنساني، ليس بالنسبة لسوريا والسوريين فقط، بل أيضاً للمحيط الإقليمي والدولي الذي أكدته تطورات الصراع في سوريا وعليها.

إن تعبيرات ازدياد كلفة الصراع السوري في المستويين الداخلي والخارجي، تبدو واضحة ومكرسة في أربع ظواهر، تنمو وتزداد؛ أولها ظاهرة تردي الواقع السوري في عموم البلاد وفي كل الجوانب والمستويات شاملاً تفاصيل الحياة اليومية، التي صارت أقرب إلى الجحيم، وثاني الظواهر، استمرار الهجرة واللجوء رغم مغادرة أكثر من نصف السكان بلدهم فراراً من الموت والحرب، ورغبة أغلب الباقين في مغادرتها بفعل استمرار الحرب في بعض المناطق وتصاعد تداعياتها، والظاهرة الثالثة تنامي الإرهاب واتساع حجم المشاركين وشموله جماعات دينية طائفية وعرقية جديدة، لم تكن في القائمة من قبل، وازدياد عدد الدول المنخرطة في ظاهرة «إرهاب الدولة» عبر دورها في الصراع في سوريا، والظاهرة الرابعة تصاعد الحاجة لمزيد من المساعدات الدولية الإنسانية لتلبية احتياجات ضحايا الصراع الموجودين في سوريا وفي بلدان الشتات واللجوء.

وسط ازدياد التردي في مسارات الواقع السوري، فإن أول الأسئلة المطروحة حوله، سؤال عن الأسباب التي تدفعه في هذا الاتجاه، وهي تنقسم إلى أسباب داخلية من جهة وأخرى خارجية من جهة ثانية، يحفر حضورها وتفاعلها المشترك عميقاً في سوريا وفي حياة السوريين اليوم وفي أخذهم إلى مستقبل غامض.

أول أسباب تردي الوضع السوري ودفعه نحو الأبعد في التدهور، يبدو في ضعف وتراخي موقف السوريين حيال معالجة واقع بلدهم ومستقبله، وهو واقع تبدو مؤشراته واضحة في واقع ودور النخبة السورية، التي يظللها الضعف والتردد والارتباك، وتراجع دور سياسي وإغاثي بدأت تلعبه في بداية الثورة، ولم يعد لها دور أو جهد مشترك ملموس في العمل العام، بل صار همّ الفاعلين فيها التركيز على مشاريع وجهود شخصية وعائلية في أحسن الأحوال للنجاة من الواقع الحالي، وحل المشكلات الراهنة بطريقة ما.

ويعبر الواقع القائم في أوساط النخبة السياسية وفي عموم تجاربها عن واقع سلبي، وعجز عن القيام بدورها على اعتبارها القوة المعنية بإدارة الحياة السورية في كل المناطق، وفي كل التشكيلات السياسية التابعة للنظام والمعارضة، والأطراف المصطفة بينهما وخارجهما، وجميعها لا تملك اليوم قدرة القيام بجهد مستقل وخلاق يوقف التدهور السوري عند حدود معينة.

ثاني أسباب التدهور، يمثله واقع انقسام الكيان السوري، وقد تحول إلى ثلاثة كيانات أمر واقع: أولها كيان يقوم في مناطق يديرها النظام، تشمل بصورة أساسية الساحل وخط الوسط من حلب شمالاً إلى درعا في الجنوب، وهي تحت حماية روسيا وإيران والميليشيات التابعة للأخيرة وأهمها «حزب الله» اللبناني وفصائل من الحشد الشعبي العراقي، وثاني الكيانات منطقة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، التي يعد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(PYD) قوة السيطرة الأساسية فيها، ويرتبط بتوجيهات حزب العمال الكردستاني(PKK)، وتدعمه جماعات سياسية وسكانية هامشية، تشكل معه مجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحت الحماية والمساندة الأميركية، والكيان الثالث تمثله منطقة السيطرة التركية الموزعة على ثلاثة أقسام؛ قسم يخضع مباشرة للسيطرة التركية، توجد فيه قوات تركية دخلت المنطقة في خلال عمليات عسكرية ضد «قسد» تواصلت في السنوات الأخيرة، والقسم الثاني منطقة يمتد وجودها الأساسي بين ريفي حلب وإدلب، تديرها الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني وفيها جماعات مسلحة تابعة للجيش الوطني، والقسم الثالث في منطقة السيطرة التركية، يمتد في إدلب وريفها، وتديره حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وتتمركز فيه ميليشيات الهيئة ومؤسساتها.

وتدير سلطات الأمر الواقع مناطق سيطرتها بصورة كيفية ودون أدنى تنسيق وتشاور، بل في ظل عداء ثلاثي متبادل، مستندة إلى خليط متناقض من سياسات وقوانين نظام الأسد وأخرى جديدة بمرجعية مستمدة من أصولية إسلامية جهادية، تصل إلى حد تطرف القاعدة، التي تعبر عنها هيئة تحرير الشام، وتعود في شقها الثاني إلى آيديولوجية حزب العمال الكردستاني(PKK) بميليشياته ونظريته في الشعوب الديمقراطية والإدارة الذاتية، وكل ذلك يؤدي إلى تكريس التمايز والاختلاف حد التناقض في حياة السوريين تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع اليوم، ويجعل للمقيمين منهم في كل واحدة مختلفاً عن الآخرين مستقبلاً.

ويتصل الشق الثاني باستمرار تردي الوضع السوري وتدهوره بتأثيرات الخارج الإقليمي والدولي، مما يجعله سبباً ثالثاً، وقد ترك أثره في أمرين؛ أولهما انقسام خارجي حاد، حيث وقف فريق إلى جانب النظام، وقدم له دعماً ومساندة، تجاوزت الحدود المألوفة في الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري/الأمني إلى دخول مباشر بالقتال معه ودفاعاً عنه. بينما كان موقف الأكثرية الدولية والإقليمية هشاً وملتبساً في دعم ومساندة الشعب السوري ومعارضته، وغالباً ما أدت تلك المواقف وما فيها من تدخلات إلى نتائج سلبية وكارثية في سكوتها عن الجرائم وتمريرها، بل والتساهل في فرض عقوبات جدية وفعالة على المسؤولين في النظام من المرتكبين، ولعل الأسوأ في تداعيات مواقف الكبار الدوليين في سوريا دفع المحيط العربي والإقليمي إلى انكفاء وتغييرات في مناصرة أكثر فاعلية للقضية السورية، ما عزز مسار تدهور الوضع السوري بصورة متسارعة.

ومما لا شك فيه، أن ثمة سبباً خارجياً يشكل رابع أسباب التدهور السوري، وهو أهم من كل ما سبق، وهو دفع الموضوع السوري إلى هامش الاهتمامات الدولية، ووضعه في الخزن وعلى الأرفف البعيدة، الأمر الذي لا يؤدي فقط إلى الأسوأ في سوريا في انعدام فرص الحل، وتحويله إلى حلم لا يتحقق، بل يؤدي أيضاً إلى إحساس المتدخلين في الموضوع السوري بأنهم خارج أي اهتمام بما يفعلونه، وما يرتكبونه من جرائم، ويتوحشون أكثر فأكثر، ويزيد الخراب السوري والمعاناة السورية على طريقة كرة الثلج الذاهبة في منحدر سحيق.

لا شك أن ثمة حاجة مُلحة عند مناصري الحل السوري من الأطراف الإقليمية والدولية والعرب خاصة إلى وقفة موضوعية حيال الموضوع، وإعادة تقييمه بعيداً عن الأزمات والتطورات العالمية الأخرى، التي ستتواصل، ولا يجوز تقديم بعضها على البعض الآخر، لأن نتائجها تقف على قدم المساواة في معاناة البشر وفي أثرها الكارثي على العالم شعوباً وحكومات، وهي خلاصة تنطبق على الوضع السوري، إضافة إلى مدته التي طالت وتركت نتائج كارثية، ويحمل مزيداً من الكوارث على السوريين وكثير من شعوب العالم إذا استمر.