رغم أن مساحة هولندا أصغر من الولايات المتحدة الأميركية بنحو 270 مرة، ورغم مناخها البارد، فإنها نجحت بفضل التكنولوجيا والتخطيط في أن تصبح ثاني أكبر مُصدّر للغذاء في العالم من حيث القيمة بعد أميركا. تبنت هولندا توجهاً وطنياً نحو الزراعة المستدامة تحت شعار «ضعف كمية الغذاء باستخدام نصف الموارد».
ومنذ أن أطلقت استراتيجيتها، تضافرت جهود الجميع فنجحوا مثلاً في خفض استخدام المياه بنسبة بلغت 90 في المائة منذ عام 2000، مع المحافظة على إنتاجية مرتفعة. وتمكنت عائلة «دويفستين» العريقة من زراعة الطماطم في بيئة يُتحكم في مناخها، حيث لا تنمو النباتات في التربة وإنما في ألياف مصنوعة من مواد طبيعية، فاختارتها لجنة دولية من خبراء «البستنة» عام 2015، كأكثر مزارعي الطماطم ابتكاراً في العالم. وصار لدى المزرعة اكتفاء شبه ذاتي، فهي تنتج تقريباً كل احتياجاتها من الطاقة والأسمدة، وحتى بعض مواد التغليف، إذ تعيد تدوير النباتات القديمة لصناعة صناديق التعبئة، بحسب مقال منشور في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك».
الهولنديون يستخدمون بدائل طبيعية للمبيدات الكيميائية، منها حشرات وكائنات دقيقة تفترس الآفات الزراعية. وتقف خلف كثير من هذه الابتكارات «جامعة ومركز أبحاث فاخينينغن» جنوب شرقي أمستردام، التي أصبحت أشبه بمختبر عالمي للزراعة. ومن عجائب ما توصلت إليه الشركات الهولندية أن بذرة طماطم واحدة، يقل سعرها عن نصف دولار، يمكن أن تنتج نحو 150 رطلاً من الطماطم. ولذلك لا نستغرب حين نقرأ أن أكثر من ثلث التجارة العالمية في بذور الخضراوات يأتي من هولندا.
ولم يحتفظ الهولنديون بهذه المعرفة لأنفسهم، فقد شاركت الجامعة في أكثر من ألف مشروع في نحو 140 دولة، لنقل تقنيات الزراعة وتحسين الأمن الغذائي.
لم تعد هولندا «بلد الزهور» فحسب، بل أصبحت مختبراً لما قد تبدو عليه زراعة المستقبل، ومدرسة للعالم. وتذكرنا تجربتها بأن الدول لا تتقدم بالضرورة بوفرة الموارد بل بحسن الاستثمار والتخطيط واستشراف «تحديات» المستقبل قبل أن تتحول إلى «أزمات» يصعب تداركها.
