جلست، ذات يوم، مع جراح كويتي عالمي، أطلعني على فيديو لمريض كان يخضع لعملية إزالة ورم في دماغه. وقد وافق المريض على تصويرها، وكان الطبيب يكلمه بحذر في أثناء الجراحة، خشية أن يمسّ بمشرطه المنطقة المسؤولة عن الكلام أو الحركة، وكان المريض يستجيب لطلبات الطبيب بتحريك أطرافه، ويتلو آيات من القرآن. رأيت في تلك اللحظة كيف تتحكم شبكات دقيقة من الخلايا العصبية في كل كلمة ننطق بها وكل حركة نقوم بها.
وعرج بنا الحديث إلى إحدى أعجب خصائص الدماغ البشري، وهي مقدرته على إعادة تنظيم نفسه والتكيف مع التحديات والإصابات، فيما يُعرف علمياً بـ«المطاوعة الدماغية».
فإذا أُصيب الإنسان بشلل في يده أو رجله أو فقد حاسة من حواسه، فإنه قد يواجه صعوبة في البداية، لكن الدماغ يبدأ تدريجياً إنشاء مسارات عصبية جديدة تعوّض ما فقده، فيتعلم طرقاً مختلفة لإنجاز المهام نفسها. ولذا رأينا أشخاصاً فقدوا القدرة على استخدام أيديهم، ثم تعلموا الرسم والكتابة، بل استخدام الحاسوب بأقدامهم، حتى أصبح بعضهم أكثر إبداعاً مما كان عليه قبل الإصابة.
ولعل أشهر الأمثلة عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ الذي أقعده مرض التصلّب الضموري الجانبي العضلي لعقود طويلة، لكنه واصل أبحاثه وكتبه ومحاضراته مستعيناً بتقنيات بديلة، حتى غدا أحد أبرز علماء عصره، وصار أيقونة فذة.
يُسمي العلماء ذلك أيضاً «المرونة العصبية»، أي قدرة الدماغ على إعادة بناء نفسه وتنظيم استجابته للتجارب والتدريب والإصابات. ولا يقتصر الأمر على التعافي من الأمراض، بل يُفسِّر أيضاً كيف يتقن شاب قيادة السيارة في غضون خمس عشرة ساعة تدريبية، أو تعلم لغة جديدة، وغيرها، فكلما كرّرنا مهارة قُوّيت مساراتها العصبية وأصبحت أكثر كفاءة، وعلى العكس؛ إذ تضعف المسارات التي تُهمل مع مرور الوقت.
ويُعدّ الطبيب الإسباني سانتياغو رامون إي كاخال أحد روّاد علم الأعصاب، ومن أوائل من مهّدوا لهذا الفهم، عندما أثبت أن الدماغ أكثر قابلية للتغيير مما كان يُعتقد قديماً. وهو اكتشاف مهم في علم الأعصاب.
ما يستحق التأمل هو أن الإنسان كثيراً ما يستسلم قبل أن يمنح دماغه شرف المحاولة وفرصة التكيف مع الصعاب، رغم أن العلماء لم يدركوا بعد الحدود الحقيقية لقدراته.
