د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

صمت المتفرجين

استمع إلى المقالة

الكثرة لا تعني النُّصرة، فـ«ما أكثرَ الإخوانَ حين تعدُّهمُ... ولكنهم في النائباتِ قليلُ». ما قاله الشافعي قبل اثني عشر قرناً ما زلنا نراه على أرض الواقع، لكن المفارقة أن علماء النفس الاجتماعي أثبتوه بالتجربة. ففي دراسة شهيرة أجراها العالمان بيب لاتانيه وجون دارلي، طُلب من متطوعين ملء استبيان، ثم بدأ دخان يتسلل إلى الغرفة. وحينما كان الشخص وحده، بادر معظم الشهود (75 في المائة) إلى الإبلاغ عنه، لكن نسبة المبادرة انخفضت بصورة كبيرة إلى (38 في المائة) عندما كان برفقة آخرين، بل بلغت أدنى مستوياتها (10 في المائة) عندما ظل من حوله يتصرّفون وكأن شيئاً لم يحدث. السبب لم يكن قسوة المشاركين؛ بل لأنَّ كل من راقب هدوء الآخرين افترض أن الموقف لا يستدعي تدخله، أو أن شخصاً آخر سيتولى زمام الأمور.

ولهذا يقول المثل الإنجليزي: «مسؤولية الجميع تصبح مسؤولية لا أحد». ولذلك لا تُترك المسؤوليات الجسام، لا سيما الأمنية والصحية، للمبادرات الفردية. وحتى في الطائرات، تُوزع المهام مسبقاً على أفراد الطاقم؛ فهذا يتولَّى إخلاء أحد المخارج، وآخر يوجّه الركاب، وثالث يقدم الإسعافات الأولية... لأنَّ الكوارث تقع حين يظن الجميع أنَّ غيره سيتولى المهمة.

أمواج الأزمات تحب الفراغات، فتتسلل عبر ثقوب الجدران. ولذلك فإنَّ المؤسسات الناجحة لا تجعل خططها رهينة لمبادرات فردية، بل تُبنى على وضوح نطاق المسؤوليات. ولعلَّ هذا ما يذكرنا بالحديث النبوي الجميل: «إنَّما الناسُ كالإبلِ المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة»؛ أي من يُعول عليه عند الشدائد قليل (1 في المائة). فالعبرة ليست بعدد الواقفين، بل بمن ينهض لنجدتنا.

قبل كتابة هذا المقال بسويعات رأيت رجلاً تعطّلت سيارته في عرض الطريق لم يتوقف له أحد، وكنت أحدهم؛ لأنني افترضت أن غيري قد سبقني إلى الاتصال بشرطة النجدة.

ما سبق يسميه العلماء «تأثير المتفرج»؛ إذ تقل احتمالية مد يد العون كلما زاد عدد الحاضرين.