سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

شروط القمرة

استمع إلى المقالة

سافرت حول العالم طويلاً وكثيراً، براً وبحراً وجواً. وقبل أن يتحول السفر إلى رتابة كان فضولاً، وأحياناً كان قلقاً.

وأحياناً أخرى كان القبطان أو الطيار يعرف بوجودي على متن رحلته فيدعوني إلى قمرة القيادة لبعض الوقت، ليرد على أسئلتي، ونحن نحلق على علو 37000 ألف قدم في سرعة 800 كلم في الساعة.

أحد الأسئلة كان حول تجنب المطبات الهوائية، خصوصاً الشديد منها. كان الجواب واحداً طبعاً: يحاول الطيار الخروج من الدائرة المزعجة، وإذا كان ذلك غير ممكن يخفض السرعة، ويدخل الغيمة الكبرى محاولاً أن يوفر على المسافرين أكبر قدر ممكن من الإزعاج.

سمعت الجواب نفسه من قباطنة السفن: نحاول تجنب الموج العالي كما يحاول الطيار تفادي الغيوم السوداء. لا معاندة. لا مواجهة. وخصوصاً خصوصاً خصوصاً، لا مغامرة بحياة الركاب وسلامة الطائرة. مسألة بالغة الأخلاق الإنسانية، والمادية، وخسائر في الأرواح لا تعوض.

أول وأهم درس يعطى «لقائد» الطائرة أنها ليست ملكاً له، بل أمانة في عنقه. وكذلك ربان السفينة. أو النوخذة. أو الملاح. أو شيخ القافلة. إذن، القيادة حكمة، ومسؤولية قبل كل شيء. من مسؤولية العائلة الصغيرة إلى مسؤولية الأوطان، والشعوب: أن تتفادى الغيوم الملبدة خير ألف مرة من مناطحتها. التحدي أحياناً شرف، وأحياناً انتحار. والتهور أهم أسباب الخسارة، في حين أن فرص الفوز قائمة دائماً في دائرة العقل. والآية تقول: «... لعلهم يتفكرون». لا يكف المغامرون في هذه المنطقة عن العبث بما وبمن يؤتمنون عليهم، والتصرف بمستقبلهم، وكراماتهم، وأرزاقهم، ومأواهم، وسكينتهم. قتال في كل مكان، ولا فوز، ولا كرامة. أوطان وشعوب مبعثرة، ويُتْم بلا نهايات. أصوات مرتفعة، وحياة خفيضة. تهور قاتل، ومدمر، وشجاعة أخلاقية غائبة.

دائماً اتهمنا ذوي العقول والقلوب بالجبن، والخيانة. ودائماً حروب خاسرة ترفع شارة النصر. ودائماً المشردون نحن، والجائعون نحن، والمخيمات، والوحول نحن. قال لنا الأخ القائد: «حاربوهم بالنبابيت». والذين نحاربهم كانوا خريجي الكليات الحربية، والحرب العالمية الثانية، ومخترعي الذرة.

ورفعنا في وجههم الخيام وهم آتون في الميراج، والفانتوم. كل حظنا من الطيران كان المدني منه. لوكربي، و11 سبتمبر (أيلول)، والطائرات المخطوفة من بيروت، وعمان، والكويت. تاريخ لا ينتهي، العقل فيه هو المتهم الوحيد.