عوَّام سيبيريا

عوَّام سيبيريا

الخميس - 17 ذو القعدة 1438 هـ - 10 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14135]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
عام 1904 نشرت صحيفة «جيانغسو» الصينية الصادرة في طوكيو، قصة قصيرة تصف أديباً صينياً يدعى هوانغ شيبساوي يقوم بجولة مع عجوز أسطوري في شوارع شانغهاي، عندما يشاهدان جماعة من الناس يقودها رجل أبيض:

«تأمل شيبساوي عن كثب هؤلاء الناس. وكانوا يعتمرون قطعة من القماش الأحمر يلفّونها حول رؤوسهم مثل قبعة طويلة، وحول خصورهم حزام تتدلى منه عصا خشبية، ووجوههم سوداء كالفحم الحجري. وسأل شيبساوي الرجل العجوز: من يكون هؤلاء الهنود؟ فأجاب أن الإنجليز يستخدمونهم كرجال شرطة... فقال شيبساوي: لماذا لا يعينون هندياً قائداً للشرطة؟ فأجاب العجوز: من يمكن أن يخطر له ذلك؟ إن الهنود شعبُ بلدٍ ضائع».

تذكرتُ هذه الحكاية وأنا أشاهد صور الشرطة العسكرية الروسية تقيم الحواجز على طرقات سوريا. بعد كل ما حدث، لم يعد مهماً على الإطلاق من ينهي المحنة السورية، ولا لون القبعة الحمراء، فهو، في أي حال، لون جميع القبعات التي تريد إنزال الخوف في الآخرين.

الأهم، شعب «البلد الضائع» الذي بدأ على ما يبدو لملمة أطرافه المشتعلة ما بين المناطق «المنخفضة التصعيد» والمناطق المقبلة على مزيد منه، وربما مما هو أسوأ من كل ما حدث حتى الآن.

وفي قلب الصورة يبدو رجل أبيض، أو بالأحرى شديد البياض، وقد أرسل بوتين صورته عاري الصدر، سابحاً في جليد سيبيريا يصطاد السمك بيديه. وكالة الأنباء الصينية «شينوا»، كانت توزع كل عام صورة التشرمان ماو يعبر نهر يانغ زي.

«الرجل الأبيض» هنا هو قائد الشرطة، كما كانت الحال في الهند. وهو الذي يوزع التصعيد والتخفيض والأدوار، ومن بينها الدور الأميركي الذي بدأه أوباما في الخفاء ولم يحدد لترمب حجمه حتى الآن.

لكن لا شك في أن «المايسترو» هو عوّام سيبيريا. وأحد أهم المظاهر مؤخراً، أفول «جبهة النصرة» من لبنان إلى العمق السوري، ومعها انكفاء دور قطر من سوريا إلى ليبيا، حيث لم تكتف الدوحة بالدور المادي، بل أرسلت طائراتها تقاتل في بلد مساحته نصف أوروبا الغربية، كما كان يقول صادق النيهوم.

وفيما أوكلت الأمم المتحدة إلى ليبيا واحداً من أبرع الدبلوماسيين الدوليين، غسان سلامة، لم تسلّم المشكلة السورية إلى الأمم المتحدة إلا من حيث الشكل: إنها فضاء الروس، منذ البداية؛ إما بالتفاهم أو بالتضامن أو بالتراضي. خرج الدور القطري، وتبدل الدور التركي، وتغير الدور الأوروبي، وليس واضحاً بعد ما هو الحجم الذي ستبقيه موسكو للدور الإيراني، أو في أي جهة من سوريا. وعلى ما يقول الذين لا جواب يملكون؛ فلننتظر الأيام الآتية.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
10/08/2017 - 06:08

الذي تعلمناه من الأزمة السورية هو بروز وظهور تكتيك تبادل الأدوار بشكلٍ أكثر وضوحاً وتكرر كثيراً حتى بات أسلوباً مبتذلاً، من كان يعتقد بأن الدور التركي الذي كان يعول عليه كثيراً بحكم الموقع الجغرافي سوف يتضاءل بهذا الشكل إلى درجة التلاشي، في الوقت الذي يزداد فيه حجم الدور الإيراني ويتوسع وهي الدولة الأكثر بعداً، هناك توزيع لا يكاد يخفى للإداوار في سوريا، الروس يتولون مهام معينة في الوقت الذي يتركون فيه أخرى للأميركان، ربما وهو الأقرب أن تكون مهمة التعامل مع الدور الإيراني متروكة للأميركيين في وقت متفق عليه، هناك دول تم إخراجها من المشهد لعل آخرها قطر والدور الأن أتى على إيران، سوق ينتهي المشهد ببقاء ممثلين ثلاثة فقط على مسرح سوريا، الولايات المتحدة، روسيا وإسرائيل.

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
10/08/2017 - 10:31

و هل كان للأمم المتحدة أن تُسلّم المشكلة السورية إلاّ من حيث الشكل؟ و هل كان، و لا يزال، بمقدور أمينها العام (سابقاً أو لاحقاً) إلاّ التعبير عن "القلق"؟

لنفرض جدلاً أن المشكلة السورية في بدايتها سُلّمت للأمم المتحدة من حيث المضمون، ماذا كان بإمكان موفديها الموكلين بتقصي الحقائق (واحداً تلو الآخر) فِعله إن كان النظام يرسم له خط سيره، أين يذهب و أين لا، هذا عندما "يسمح" لأولئك الموفدين بدخول الأراضي السورية، كل ذلك تحت سمع العالم و بصره؟ كيف؟ ربما لأن زعيم العالم الأحاديّ القطب آنذاك كان همّه إنجاز اتفاق تاريخي مع إيران لم يرد تعكير صفوه!

أما و قد أصبح العالم ثنائيّ القطبين بعد المغامرة البوتينية الناجحة وأضحى "الكوكب" السوري يدور في الفلك الروسي فعلى الأمم المتحدة السلام!
أتمنّى من قلبي النجاح للأستاذ سلامة و أحتفظ لنفسي بالشكوك!

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة