أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

صورة تذكارية لـ«الناتو» في أنقرة

استمع إلى المقالة

بعد ترؤسه الاحتفالات بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو (تموز) الماضي، يتوجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة التركية أنقرة، للمشاركة في القمة السادسة والثلاثين لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط مخاوف لدى البعض من أن تكون هذه القمة الأشد عصفاً في تاريخ هذا الكيان العريق الممتد لخمسة وسبعين عاماً.

وتُشير الدلائل إلى أن ترمب لا يزال غير راضٍ عن الحلف، ويرى أنه يبتز الولايات المتحدة منذ عقود. ومع ذلك، يواصل الأمين العام للحلف، مارك روته، جولاته عبر الاستوديوهات التلفزيونية لطمأنة الجميع، بأن الرئيس الأميركي سيصل إلى أنقرة بمزاج أهدأ.

وقال روته: «هذه القمة ستتمحور حول الوفاء بالوعود المقطوعة»، في إشارة إلى وعود غالبية الدول الأعضاء بزيادة الإنفاق الدفاعي، ليصل إلى ما بين 4 و5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي - المطلب الذي فرضه ترمب فور دخوله البيت الأبيض.

والآن، ماذا يعني «الوفاء بالوعود» الذي يقصده روته؟ في واقع الأمر، يعني ذلك تحديد موعد افتراضي للوصول إلى النسبة المنشودة. في حالة ألمانيا، أغنى الأعضاء الأوروبيين في الحلف، سيكون الموعد عام 2029، في حين تتطلع كندا إلى مدى أبعد من ذلك. أما فرنسا فتدور علامات استفهام كبرى حول وعودها، لسبب بسيط: أنه لا أحد يعرف من سيكون ساكن قصر الإليزيه العام المقبل؛ خصوصاً أن أحد أبرز المرشحين، زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، يتحدث علناً عن الانسحاب من الحلف، والتخلي عن الردع النووي. في حين أن مرشحة رئيسة أخرى، زعيمة «حزب التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مارين لوبان، لطالما حافظت على موقف غامض حيال هذا الأمر، مستشهدة بمقولة الجنرال ديغول حول انتهاج سياسة دفاعية مستقلة.

ويبدو أن بولندا وإيطاليا هما الوحيدتان اللتان تلتزمان تماماً بالوعود المقطوعة، في حين تضع الاضطرابات السياسية علامة استفهام أمام التزامات بريطانيا العظمى.

ورغم ذلك، لا تنبع مشكلات «الناتو» من نقص الأموال، فالإنفاق العسكري للحلف لا يزال يتجاوز المعدلات العالمية. وعلى حد علمنا، لم تثبت أي دراسة حتى الآن أن مجرد زيادة الإنفاق كفيلة بإنقاذ هذا الكيان الهرم والبالي الذي يعود لحقبة الحرب الباردة.

بكل المقاييس، يُعد روته أفضل أمين عام يمكن أن يحظى به «الناتو» في هذه المرحلة الحرجة؛ فقد كان ذكياً بما يكفي لتطوير ما يسميه الدبلوماسيون «أسلوب روته» في التعامل مع دونالد ترمب. وباستثناء تعليق شعار «ماغا» (اجعل أميركا عظيمة مجدداً) فوق مقر «الناتو» في بروكسل، فعل روته كل شيء آخر لإقناع ترمب بتخفيف حدة هجومه اللفظي على حلفاء «الناتو»، والسفر إلى تركيا، والبقاء بها لمدة يومين.

لذا، من المرجح أن تُحقق قمة أنقرة نجاحاً شبيهاً بنجاح قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا؛ حيث بقي ترمب واستمع إلى النقاشات على مدار يومين، وإن كان ذلك في ظل ملل ملموس حاول إخفاءه بالكاد.

ومع ذلك، فإنه عندما نتحدث عن النجاح، نعني النجاح بوصفه سلسلة من اللقطات التذكارية والصور الاستعراضية؛ فقمة مجموعة السبع لم تُثمر أي شيء يستدعي البهجة، لأنها لم تُصمم أصلاً لإنجاز ذلك ـ السيناريو نفسه الذي قد يتكرر في أنقرة.

وتتصدر جدول أعمال قمة أنقرة 3 ملفات رئيسة: أوكرانيا، والإنتاج العسكري، والشرق الأوسط.

فيما يتعلق بملف أوكرانيا، يبدو من غير المرجح أن يُقدم الحلف على خطوات إضافية، لعدم رغبته في بذل مزيد مما يقدمه حالياً، خصوصاً أن هذه الحرب قد تستمر لعقد آخر، أو على الأقل حتى نهاية المسيرة السياسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لا يمكن لروسيا أن تنتصر في هذه الحرب لافتقارها إلى المقومات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية اللازمة. كما أن ادعاء بوتين بأنه يقاتل «النازيين» لا يجعل منه ستالين جديداً، ولا يحول اتحاد الأوليغارشية المقرب منه إلى نسخة جديدة من الاتحاد السوفياتي المستعد للتضحية بعشرين مليون رجل.

وفي حال حصلت أوكرانيا على دعم كامل ومطلق من «الناتو»، فإنها قد تنتصر؛ ولكن ماذا سيعني هذا الانتصار؟ سيعني ببساطة أن بلداً ممزقاً سيستعيد السيطرة على مزيد من الأرض المحروقة.

أما في ملف الإنتاج العسكري فإن الانقسام يضرب صفوف أعضاء «الناتو» بالفعل؛ حيث تسعى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا للاستحواذ على حصة الأسد لصالح صناعاتها الوطنية. وحتى بولندا ودول البلطيق والسويد وفنلندا تبحث لنفسها عن موطئ قدم ومنافذ خاصة، حال تدفق تلك الأموال والصفقات الذهبية.

أما إدراج الشرق الأوسط على جدول الأعمال، فلا يعدو كونه محاولة لترميم التصدعات التي خلفتها الحرب الحالية ضد إيران، في ظل فشل واشنطن في تأمين حتى الدعم المعنوي من حلفائها في «الناتو».

وبالنظر إلى الدمار الهائل الذي ألحقته هذه الحرب، ناهيك بتداعياتها العالمية، فإن الحديث عن وضع خطة جديدة لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة، يبدو أشبه بصب الملح على الجراح؛ فالقوى العظمى تتحدث عن «خطة للشرق الأوسط» منذ عام 1919، ومن دون جدوى.

وفي الوقت الراهن، تفكر تركيا -مستضيفة القمة- في التحلل من معاهدتي لوزان ومونترو، اللتين أعقبتا الحرب العالمية الأولى، وذلك بهدف استعادة «حق الإشراف»، على الأقل، في أجزاء من العراق وسوريا وفلسطين.

اليوم، تقف دول «الناتو» في مواجهة 3 أزمات كبرى، غير أن أيّاً منها ليس مدرجاً على جدول أعمال أنقرة.

تتمثل الأولى في أن معظم الدول الأعضاء تعيش ما يُشبه «حرباً أهلية ثقافية»، يصاحبها تراجع عام في هيبة السلطة السياسية.

لقد انهار التوافق الحزبي بشأن السياسات الدفاعية والخارجية، ولا تجد معظم الحكومات قنوات اتصال أو لغة حوار مع معارضتها. في تركيا، على سبيل المثال، تذهب الحكومة إلى أبعد من ذلك، بمحاولتها تعيين رئيس حزب المعارضة الرئيسي بنفسها.

في بريطانيا، يعدّ نايجل فاراج، الزعيم اليميني المتطرف، حكومة «حزب العمال» الحالية بمثابة كابوس عابر.

وبالتأكيد، لا يمكن لمجتمع منقسم أن ينتصر في حرب، حتى لو كان يتمتع بتفوق ساحق من حيث العدد والعتاد. والحرب الحالية ضد إيران ليست سوى مثال واحد على كيف أن غياب الوحدة الوطنية في الولايات المتحدة، فضلاً عن الانقسام في حلف «الناتو»، أجبر ترمب على تقليص طموحاته المبكرة.

أما الأزمة الثانية فتكمن في أن آلة حرب «الناتو»، بما فيها حاملات الطائرات العملاقة والقاذفات الثقيلة، كانت مُصممة لحروب تقليدية ربما أصبحت جزءاً من التاريخ الآن، في الوقت الذي تتيح الحرب غير المتكافئة لخصم أضعف بكثير، يمتلك نسخة بدائية من المعدات، بالصمود لأطول فترة ممكنة، ورفع تكلفة الحرب على الطرف الأقوى.

على سبيل المثال، نجد أنه في خضم الصراع الحالي مع طهران، نشرت واشنطن ثلث أسطول حاملات طائراتها، لكن لتجنب «كارثة كبرى» ناجمة عن زوارق سريعة، نادراً ما استخدمتها.

وتتركز الأزمة الثالثة حول أن الشكل الجديد للحرب يُفضّل استخدام معدات رخيصة الثمن، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ التكتيكية والصواريخ العادية، في حين تُركّز الصناعات العسكرية في دول «الناتو» على إنتاج طائرات حربية باهظة الثمن وصواريخ «كروز»، وبالطبع حاملات الطائرات ومرافقاتها الباهظة الثمن.

واعتقادي أن قمة أنقرة لن تثمر سوى صور تذكارية أخرى.