سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

النسيان أفضل

استمع إلى المقالة

كان الرئيس الياس سركيس من أفضل الرؤساء الذين عرفهم لبنان. وعلى الصعيد الشخصي، كان من أحب الناس إليَّ؛ بسبب تواضعه ورفعة نفسه وحسن طباعه. عندما انتهت ولايته جاء إلى باريس للعلاج من مرض غامض ألمّ به. وجئت من لندن لكي أسلّم عليه، فوجدته في الشقة وحيداً يجري اتصالاً هاتفياً مع طبيب لبناني في أميركا. أنهى المكالمة وراحَ يطرح عليّ الأسئلة حول بعض الصحافة وبعض الصحافيين. وكان يضحك من بعض الأسماء ومن حال البلد الغارق يومها في الحرب.

أردت أن أقول شيئاً لهذا الرجل النقي فلم أجد سوى الاقتراح البليد: فخامة الرئيس، لقد عشت مرحلة تاريخية صعبة، ولا بد أن تكتب مذكراتك عنها. تغير لون الرجل واستدار نحوي بكليته وقال: «سمير، إذا كتبت مذكراتي، نص الشعب اللبناني بيروح قتل».

كان الكلام رهيباً، خصوصاً أنه آت من إنسان في مثل هذا الخلق. في الأشهر الأخيرة امتلأ لبنان وفاض بالمذكرات، خصوصاً حول فترة الحرب. وامتلأ بمذكرات الاتهام. ومنها اتهامات بالسرقات الكبرى والجرائم الكبرى والوقاحات الكبرى. ويتحدث السياسيون عن الخوف من القتل وبالأسماء الكبرى، وكأنَّهم يتحدثون عن مأدبة صيفية على نهر البردوني في زحلة. ولا حياء. ولا تحفظ.

عندما قال الرئيس سركيس تلك الجملة الشكسبيرية اعتقدت أنَّها أسلوبه في رسم الدراما اللبنانية. لكن يبدو أنه من موقع الرئاسة كان يرى الناس والأشياء كما هي. ولكثرة ما رأى أصيب بمرض غامض لم يستطع أحد تشخيصه. تجده في مذكرات السياسيين وفي مذكرات الاتهام.