ظلّ الرعاة، ومعهم أصحاب المواشي، يتتبعون أخبار المطر على ذلك الامتداد الهائل الذي نسميه صحراءنا. كانت الأنباء تنتقل من فم إلى فم، ومن قافلة إلى أخرى، ومن راكب عابر إلى مضرب خيمة بعيد. يسمعون أن الغيث نزل في جهة ما، وأن الأرض ارتوت بعد طول ظمأ، وأن العشب بدأ يلامس الأقدام بعدما كان مجرد وعد أخضر في الأفق، فتتسع صدورهم فرحاً قبل أن تتحرك دوابهم. فالمطر في هذه البلاد ليس خبراً عادياً، بل بشارة حياة كاملة، وموعد متجدد مع الأمل.
منذ عقود طويلة ظل الموريتانيون منشغلين بالشأن العام. كانت السياسة حاضرة في المجالس والأسواق والبيوت، تتبدل مواضيعها وتبقى حرارتها مشتعلة. في زمن مضى كان الناس يترقبون الانقلابات كلما بلغ الاحتقان مداه، وكأنها جزء من دورة الحياة السياسية في بلد لم يكن قد استقر بعد على قواعده النهائية. ثم نضجت التجربة شيئاً فشيئاً، وأصبح الرهان على التغيير السلمي والتداول السياسي، وصارت صناديق الاقتراع تحل محل المغامرات التي كانت تهز البلاد بين حين وآخر.
ومع ذلك، بقي هناك حدث واحد قادر على قطع هذا الحديث الموصول، وإسكات ضجيج السياسة السياسوية بكل ما فيه من جدل وخصومات وتحليلات. إنه المطر. أو بالأحرى «سياسة المطر».
فما إن تسقط قطراته الأولى حتى تتغير الأولويات كلها. تختفي أخبار الأحزاب والانتخابات والتحالفات، ويتراجع اهتمام الناس بما يقال في العاصمة وبما يكتبه المحللون وما يتجادل حوله السياسيون. فجأة يصبح السؤال الوحيد: أين نزل المطر؟ كم بلغ منسوبه؟ وإلى أي اتجاه تسير السحب؟
عندها يتم التحول الكبير في السلوك والأفكار: يهرب الناس إلى رؤوس الكثبان الرملية، ينصبون خيام الانتجاع حيث يمتد البصر إلى آخر الأفق، تسير القطعان في هدوء نحو المراعي الجديدة، وتبدأ الأرض في استعادة ألوانها القديمة التي أخفاها القيظ لأشهر طويلة. هناك، بعيداً عن صخب المدن وضجيج الأخبار العاجلة، يستعيد الإنسان الصحراوي شيئاً من طبيعته الأولى. وتعود إليه طمأنينته المكسوة بالكلام العذب البعيد عن التوتر...
في تلك اللحظات لا يعود المطر مجرد ظاهرة مناخية. إنه استدعاء لذاكرة عميقة تختزنها الأجيال. ذاكرة الآباء والأجداد الذين عاشوا على إيقاع المواسم، وحفظوا أسماء الرياح والنجوم ومسارات السحب، وعرفوا أن الحياة في الصحراء تبدأ من قطرة ماء واحدة.
لذلك يبدو المشهد كل عام وكأنه طقس جماعي للعودة إلى الذات. يعود الناس إلى بساطة الأشياء، إلى صوت الريح بين الخيام، وإلى رائحة الأرض حين يلامسها الماء للمرة الأولى. يتأملون السماء أكثر مما يتابعون الشاشات، ويصغون إلى خرير السيول أكثر مما يصغون إلى خطابات السياسيين المملة.
كأن المطر يقول لهم بصوته الخافت: حان وقت الهدوء. اتركوا قليلاً ما يفرقكم، وتعالوا إلى ما يجمعكم. انسوا صخب الأيام ومنازعاتها، وتأملوا هذه الأرض التي لا تزال تمنحكم أسباب الفرح رغم قسوتها.
في بلاد الصحراء، قد تتغير الحكومات وتتبدل الوجوه وتنقلب الأحوال، لكن شيئاً واحداً يبقى ثابتاً في وجدان الناس: ذلك الشوق القديم إلى القطرة الأولى، وذلك الإحساس العميق بالسكينة حين تمتلئ السماء غيوماً وتتألق الأرض بعلامات الحياة. إنها السكينة التي نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى، سكينة تذكرنا بأن وراء كل الضجيج السياسي عالماً أبسط وأصدق، وأن «سياسة المطر» بكل حكمتها وتوقها لتجديد الحياة قادرة أحياناً على أن تمنح الأرواح القلقة ما تعجز عن منحه كل خطابات السياسة.
