أليس لاسمان
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

الذكاء الاصطناعي والحياة الاجتماعية

استمع إلى المقالة

حين أكتب عن الذكاء الاصطناعي والألفة والمشاعر الإنسانية، يميل الناس إلى تخيل الحبيبات الافتراضيات عبر الذكاء الاصطناعي أو مهووسي التكنولوجيا. ويروج الفكر بأن المستخدمين المتطرفين فقط هم من يستخدمون روبوتات المحادثة لإدارة حياتهم الاجتماعية والعاطفية. غير أنه من خلال محادثاتي مع أبناء جيلي الآخرين، وجدتُ أن الشباب يعتمدون عاطفياً على الذكاء الاصطناعي بأكثر مما ندرك؛ وهو ما يغير علاقتنا بنحو خفي، حتى مع الأشخاص الذين لم يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي قط. وعندما يتدفق سيل من الدعم الاصطناعي إلى عوالم من حولنا، فإنه يشوه آلياتنا العاطفية للتقارب والألفة، ويجعل الجميع أكثر شعوراً بالوحدة.

وفي أثناء تأليف كتاب عن الذكاء الاصطناعي والعلاقات، أجرَيتُ مقابلات مع أشخاص في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم عبر الولايات المتحدة وأوروبا حول كيفية استخدامهم لروبوتات المحادثة. وقد عثرتُ عليهم من خلال مكالمات بحثية، ومتابعات مع القراء، وأصدقاء الأصدقاء. ولقد سمحوا لي بالدخول إلى أكثر زوايا نفوسهم خصوصية، وكنتُ في بعض الأحيان الشخص الوحيد الذي أخبروه على الإطلاق بشأن استخدامهم لروبوتات المحادثة.

وعلى الرغم من تحدثهم إلى روبوتات المحادثة يومياً، فقد حافظ أغلبهم أيضاً على حياة اجتماعية كاملة، كما ساهم الذكاء الاصطناعي بطرق عديدة في إثرائها. وأخبرني العديد ممن أُجريت معهم المقابلات أنه ساعدهم على التفكير في علاقاتهم بنحو أكثر وضوحاً وتأنياً. غير أنه بدأ أيضاً في تشكيل الهيكل والمظلة الأساسية لاتخاذ قراراتهم الحاسمة والمصيرية؛ مثل التشجيع على الانفصال، أو تهدئة المشادات والمشاجرات التي قرر روبوت المحادثة أنها لا تستحق وقتهم. وقال لي لافيش داكش، وهو شاب يبلغ من العمر 21 عاماً ويعيش في ألمانيا: «إذا كنتُ أكثر عقلانية وأقل عاطفية، فأنا أبلي بلاء حسناً»؛ موضحاً أن الذكاء الاصطناعي أتاح له اتخاذ قرارات أكثر رصانة ووضوحاً، غير أنه وصف رغبته في تجريد علاقاته من العاطفة بالكامل.

وقال شخص آخر ممن أُجريت معهم المقابلات، وهو شاب بريطاني يبلغ من العمر 27 عاما، إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي باعتباره «بحث غوغل متقدماً» لحياته الشخصية، يمتلك القدرة على تذكر تسلسل وانسياب العاطفة في المرة التالية التي يشعر بها. وكان يشعر براحة أكبر في عرض مشاعره على «شات جي بي تي» قبل مشاركتها مع شخص آخر؛ إذ يجب إبطال الأفكار المزعجة والتخلص منها، بينما الأصدقاء موجودون للمرح والضحك فقط.

تخلق الألفة الاصطناعية ما يُطلق عليه الاقتصاديون «الآثار الجانبية والسلبية الخارجية»، وهي التكاليف الخفية التي لا تقع على عاتق الشخص الذي يتخذ الخيار، بل على العلاقات التي تتغير، ولو بنحو طفيف للغاية، من حولك. وأخبرني مايك جيفكوت، وهو معالج نفسي يمارس المهنة منذ 14 عاماً، أنه لا يشارك المشاعر الشاقة والمُعقدة نفسها مع أصدقائه كما يشاركها مع الذكاء الاصطناعي. إذ يُفضل معالجة أموره الروحية والعاطفية بمفرده. وتساءل قائلاً: «من الذي يمكنه ويقدر على أن يكون صادقاً، ويفسح المجال، ويكون كفئاً في التعامل مع المحتوى الضبابي والمربك للعقل الباطن للآخرين؟».

ومن السهل ألا نلاحظ انسحاب أصدقائنا؛ فالمحادثات الحميمة مع الذكاء الاصطناعي ليست نادرة؛ حيث أشار استطلاع رأي حديث إلى أن ما يقرب من ثلثي المراهقين الذين يستخدمون روبوتات المحادثة يبحثون في المقام الأول عن الصداقة أو النصيحة. غير أن الاستخدام المتكرر للذكاء الاصطناعي يُعدّ في كثير من الأحيان أمراً محظوراً ولا يُصرّح به.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي نوعاً من حلقات الوصل الاجتماعية، يسد الفجوات في علاقات الشباب: فيدرب الرجال على التخطيط ويمدهم بكلمات التعزية والمواساة التي لم يستطع أصدقاؤنا العثور عليها بدقة. وفي الآونة الأخيرة، لم تعد هذه التطبيقات خفية؛ إذ أضحت عبارة «لقد أخبرني الذكاء الاصطناعي الخاص بي...» جزءاً عفوياً من محادثات أصدقائي.

تَمِيل التكنولوجيا الجديدة عادة إلى تشويه وإرباك توازننا الاجتماعي القائم؛ فبمجرد دخول الهواتف الذكية إلى حياتنا، بات الوجود ضمن مجموعة من الأصدقاء يعني إمكانية الاتصال بك باستمرار، وأن تكون مشاركاً دؤوباً في الدردشات الجماعية. ولم يتباطأ الذكاء الاصطناعي في وتيرة تواصلنا، لكنه قد يكون بصدد تغيير ما نتواصل بشأنه. فالآن، ومع وجود أداة مجهزة وصالحة لصقل وتقويم عثرات وتعرجات أفكارنا، نجد أنفسنا أقل عفوية وبوحاً مع بعضنا بعضاً، وأقل جراءة في إظهار مشاعرنا وهشاشتنا.

أنا لا أستخدم تطبيق «كلود» لحياتي الشخصية، غير أنني - مثل أغلب أبناء الجيل «زد» - أكثر عرضة لإغراءاته مما أعتقد. إذ كان هاتفي دوما جزءاً مني. ومثل كائن سيبراني، لا أستطيع تذكر وقت لم يكن فيه ملازماً لي، امتداداً لنفسي ولعقلي، ومحشوراً بأمان في جيبي. إن الشباب هم أبناء البيئة الرقمية والسكان الأصليون لها؛ ومن الطبيعي والبديهي أن تجد تقلبات مشاعرنا علاجاً وحلاً في جهازنا الصغير هذا. غير أن صداقاتنا قد تعاني وتدفع الثمن من جراء ذلك.