لم يكنْ أبُو القَاسمِ الآمِدِيّ، يبالغُ فِي تعبيرِ إعجابِه البالغِ ببيتِ الحُسين بن مطير الأسديّ هذا، عندمَا قالَ:
«وممَّا لا يفِي بحسنِه وحلاوتِه وصحّتِه شيءٌ قولُ حسين بن مطير في معن:
فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كَمَا كَانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا».*(الموازنةُ بين شعر أبِي تمام والبحتري)، الآمدي: ج 3، ص 510.
وعدَّ ابنُ رَشِيقٍ القيرواني، في (العمدة)، بيتَ القصيدِ وثلاثةَ أبياتٍ قبلَه من القَصيدةِ «من أفضلِ الرثاء».
أمَّا ابنُ الأثير، في (الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور)، فإنَّه قالَ في بابِ التَّشبيه:
«وأعجبُ ما سمعتُ في هذا البَاب، قولُ الحسينِ بن مُطير الأسديّ، يرثِي معنَ بنَ زائدة:
فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كَمَا كَانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا
فاعرف ذلك وقس عليه». قال أبو عبد الله، غفر الله له:
أول ما يطرأ في ذهني عندمَا أتأمَّل البيتَ المذكور: أن يكونَ الشَّاعرُ يتحدَّثُ عن كرمِ المَمدوحِ، بإمضَاءِ «وقفٌ للهِ تعالى»، يعيشُ النَّاسُ منه وفيه وعليه.
والوقفُ من الأعمالِ الصَّالحةِ العظيمة، وهو من صورِ المَعروفِ، والكرمِ، والعطاءِ، الممتدةِ بعد وفاةِ الوَاقف، والمُستمرَّةِ بإذنِ الله، يعيشُ الخلقُ عليهَا، أزمنةً طويلة.
وفي معنَى (فتى): قالَ ابنُ منظور في (لسان العرب):
«فتا: الْفَتَاءُ: الشَّباب. والفَتَى والفَتِيَّةُ: الشابُّ والشابَّةُ، وَالْفِعْلُ: فَتُوَ يَفْتُو فَتاء.
وَيُقَالُ: افْعَلْ ذَلِكَ فِي فَتائِه. وَقَدْ فَتِيَ، بِالْكَسْرِ، يَفْتَى فَتًى فَهُوَ فَتِيُّ السِنِّ بَيِّنُ الفَتاء، وَقَدْ وُلد لَهُ فِي فَتَاء سِنِّهِ أَولاد.
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الفَتَاء، مَمْدُودٌ، مَصْدَرُ الفَتِيِّ؛ وأَنشد لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ:
إِذَا عاشَ الفَتَى مائتَينِ عَامًا
فَقَدْ ذهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاء
فَقَصَرَ الْفَتَى فِي أَول الْبَيْتِ ومدَّ فِي آخِرِهِ، وَاسْتَعَارَهُ فِي النَّاسِك...
وَيُجْمَعُ الفَتَى: فِتْيانًا وفُتُوًّا، قَالَ: وَيُجْمَعُ الفَتِيُّ فِي السِّنِّ أَفْتَاء.
قال الْجَوْهَرِيُّ:
«وَقَوْلُهُ أَنشده ثَعْلَبٌ:
وَيْلٌ بزَيْدٍ فَتىً شَيْخٍ أَلُوذُ بِهِ
فَلَا أُعَشَّى لَدَى زَيْدٍ وَلَا أَرِدُ
فَسَّرَ فَتًى شَيْخٍ، فَقَالَ: أَي هُوَ فِي حَزْم الْمَشَايِخِ، وَالْجَمْعُ: فتْيان وفِتْية وفِتْوة.
قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَيْسَ الفَتَى بِمَعْنَى الشَّابِّ والحَدَث، إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْكَامِلِ الجَزْل مِنَ الرِّجَالِ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إنَّ الفَتَى حَمّالُ كلِّ مُلِمَّةٍ
ليسَ الفَتَى بمُنَعَّمِ الشُّبَان
قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
قَد يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى، ورِداؤُه
خَلَقٌ، وجَيْبُ قَمِيصِه مَرْقُوعُ
وصفه بأنه فتى، للدلالة على فتوته وشبابه».
ومنَ اللَّطيفِ، المقارنةُ التي تركَها الشَّاعرُ لنا، بين المعطي، وهو فتى واحدٌ فردٌ، لكنه الْكَامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجَالِ، مقابل قوله: (عِيْشَ) بالمبني للمجهول، إشارة إلى أن جموعًا من النَّاس عاشوا في معروفه، ومن المحتمل أن يكون معروفه وقفًا كما أسلفنا، وكان ذلك بعد موته.
فكأن صورة هذا الفتى الباذل الواقف، والجموع الذين عاشوا بعد موته في معروفه، تتجسد بقول ابن دريد في مقصورته:
وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ
وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا
وَرُبَّ واحدٍ بألفٍ، كمَا قيل.
