شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

وما أدراكَ ما هي المافيا

استمع إلى المقالة

تتوارى الشمس اللاهبة خلف هضاب صقلية القاحلة، وتهمس الريح الساخنة أسراراً منسيّة على المنعطفات الخطرة وفي الأزقة المظلمة عند أطراف الدساكر النائية، فيغزل الخوف خيوط شبكة عنكبوتية من العنف الذي لا يعرف الرحمة، وينسدل مثل القدر المحتوم على كل من تساوره النفس تحدّيها أو الخروج عن إرادتها.

المافيا هنا ليست فحسب عنفاً قاتلاً، وسلطة لا تعلن عن نفسها، وخوفاً يشقّ الهواء ويحبس الأنفاس. إنها ميثاق غير مكتوب، وتعهّد بالولاء والطاعة، والتزام بصمت سحيق أثقل من ألف عقاب. وهي تاريخ محبّر بقصص رجال اختاروا لهم أسلوب حياة معجوناً بالدم وهمس الخيانات التي لا تغتفر. حياة يفقدها من يخرج عن الصمت، لكن من غير أن يغتاله أحد؛ لأنه يموت في الحياة، معزولاً ومنبوذاً ومنسيّاً.

إنها الصوت الصامت لميثاق مختوم بسهام نظرات هجرتها الشفقة، والصدى العميق الذي يتردد بعد كل طلقة، وفي كل كلمة لا تبلغ أعتاب البوح. المافيا وطن وسجن في آن معاً، وهي الظلال الحادة التي ترافق المهاجر والجلّاد في الحِل والترحال. هي السلطة، من غير منصب أو لقب. السلطة النابعة من أخطبوط الصمت، من النظرة المكتفية بذاتها والحارقة بجمر برودتها. السلطة المتحكمة بمفاصل الحياة من غير عين تراها، ولا أذن تسمعها. حياة تضبطها قواعد لم يخترها من يعيشها، وتحكمها لعبة جهنمية ليست الخيانة أبشع الجرائم فيها، بل عدم الولاء وقلة الوفاء.

وراء كل كاتدرائية، وحول كل ميدان، وخلف البسمات الخجولة التي تطلّ من النوافذ والشرفات، يختبئ عالم يتعطّش لعدالة يعرف أنها لن تأتي إذ انحلّ نسغها في أسن الفساد الذي بات كالهواء من لم يتنشّقه اختنق. عالم لا حقيقة فيه غير الخشية من الإقصاء أو الفضيحة أو العقاب. عالم ليست الحياة فيه سوى سلعة، والأمل الضائع عملة قابلة للتداول.

قرون تعاقبت على التاريخ الإيطالي المضيء الذي قام على أكتاف دانتي وليوناردو ومايكل آنجلو وبوتيتشلّي، ثم تجمّد فجأة عند أقدام هذا التنين الجاثم فوق النفوس المرتعدة، ممسكاً بنواصي الخوف وحبال العنف، يكبّل بها المصائر ويرمي شباك الترهيب والإذعان على المجتمع الذي تفجّرت من ينابيع إبداعاته شراقيط عصر النهضة.

لكن المافيا التي منذ عقود باتت من المكوّنات المألوفة للهوية الإيطالية، أو لنمط العيش الإيطالي، هي اليوم إمبراطورية مترامية، متعددة الجنسيات والطرائق والاختصاصات... وللحديث تتمة.