مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

من روجرز إلى نواف سلام... بين الممكن السياسي والرفض

استمع إلى المقالة

ما بين صيف 1970 وصيف 2026، 56 عاماً من الجدل بشأن «القبول بالممكن» أو «رفض كل ما هو ممكن». أكثر من نصف قرن يفصل بين «مبادرة» وزير الخارجية الأميركي الأسبق، ويليام روجرز، للسلام، و«اتفاق الإطار» الذي تفاوضت عليه حكومة نواف سلام مع العدو الإسرائيلي. وبين المحطتين، يتكرر السؤال نفسه: هل تُدار الهزائم بالشعارات، أم بإعادة قراءة موازين القوى؟

عندما وافق الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر على «مشروع روجرز»، لم يكن يقبل بمبادرة أميركية فحسب؛ بل كان يقبل ضمناً بـ«القرار 242» بوصفه المرجعية الوحيدة الممكنة بعد هزيمة عام 1967. يومها تشكلت جبهة عربية وفلسطينية عريضة ضده، وعدّت مجرد القبول بالقرار الدولي خروجاً على خيار الكفاح المسلح وتمهيداً لتسوية سياسية مرفوضة.

لكن عبد الناصر قرأ الوقائع أكثر مما قرأ الشعارات. فقد أدرك أن إعادة بناء الجيش المصري، في ظل موازين القوى القائمة حينها، تفرض التعامل مع «الممكن السياسي»، لا انتظار «تبدل الموازين». لم يكن الانقسام يومها بشأن نص «مشروع روجرز»، بل بشأن سؤال لا يزال يطارد المنطقة حتى اليوم: هل السياسة «فن تحقيق الممكن»، أم «فن رفض كل ما هو ممكن»؟

اليوم تغيّر العالم... انتهت الحرب الباردة، وتبدلت موازين القوى، ولم تعد إيران تملك هامش الحركة الذي وفره الانقسام الدولي عقوداً، بل تواجه واقعاً إقليمياً ودولياً جديداً فرضته التحولات الأخيرة.

وفي هذا السياق، عاد السؤال نفسه إلى بيروت مع «اتفاق الإطار» الذي وقعته الدولة اللبنانية. فالحكومات لا تتفاوض خارج موازين القوى، بل من داخلها. ولو انتهت «حرب الإسناد» التي خاضها محور طهران بنتائج مختلفة، لكان الموقع التفاوضي للبنان مختلفاً، ولكانت الحكومة تُفاوض من موقع أقوى وبشروط أفضل. أما وقد أفرزت الحرب موازين القوى القائمة، فإن «اتفاق الإطار» ليس سوى انعكاس لها، تماماً كما كان «مشروع روجرز» انعكاساً لنتائج هزيمة عام 1967.

وتكمن خصوصية الحالة اللبنانية في أن شريحة واسعة من اللبنانيين لا تزال ترفض أو تتحفظ على السلام مع إسرائيل، لكنها، في المقابل، تميز بين «السلام» و«اتفاق أمني» يهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتثبيت الحدود، ومنع حرب جديدة. ومن هذا المنطلق، لا يُقرأ «اتفاق الإطار» بوصفه «مشروع سلام»، بل بصفته «أفضل الممكن» في ظل موازين القوى التي أفرزتها الحرب، لا موازين القوى التي كان يتمناها لبنان.

لقد اعتادت المنطقة رفض المبادرات الدولية عند ولادتها، ثم تعود بعد سنوات من الحروب إلى القبول بها، ولكن بشروط أقل مما كان مطروحاً في البداية. هكذا كانت الحال مع القرارات الأممية «181» و«194» و«242»، ومع مبدأ «الأرض مقابل السلام»، قبل أن ينتقل بعض العرب لاحقاً إلى معادلة «السلام مقابل السلام».

أما لبنان، فبات اليوم أسير سؤال آخر: هل كان «اتفاق 17 مايو (أيار) 1983» مستحيلاً بسبب مضمونه أم توقيته، فدفع ثمن الانقسام الدولي والإقليمي والداخلي الذي حكم تلك المرحلة؟

ولعل أفضل ما يختصر هذه المفارقة ما قاله وليد جنبلاط نفسه. فبعد عقود من إسقاط «اتفاق 17 مايو»، كشف عن أنه اتصل بالرئيس أمين الجميل ليقول له إن ذلك الاتفاق كان أفضل من الاتفاق المطروح اليوم، وهو الذي كان يتباهى في ذاكرته السياسية بأنه كان من الذين أسقطوا الاتفاق مع النظام السوري آنذاك.

ولذلك؛ فربما لن تحتاج الطبقة السياسية التي ترفض اليوم «اتفاق الإطار» إلى العقود التي احتاجها وليد جنبلاط لإعادة تقييم موقفه من «اتفاق 17 مايو» ومقارنته بـ«الاتفاق الإطاري» الحالي. وربما لن يحتاج جنبلاط نفسه إلى كل ذلك الوقت إذا انتهت «مهلة الـ60 يوماً»، أو ما قد يليها، وعاد لبنان إلى دوامة المواجهة. فالحرب لا تعيد التفاوض من النقطة التي انتهى منها، بل من موازين القوى التي تفرضها نتائجُها. وإذا جاءت أي مواجهة جديدة بموازين أكبر اختلالاً ولمصلحة العدو الإسرائيلي، فقد لا يصبح النقاش بشأن البنود التي يعترض عليها البعض اليوم، بل بشأن ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على ما كان مطروحاً سابقاً. ذلك أن التاريخ يبين أن ما يُرفض في لحظة معينة بوصفه أقل من الطموح، قد يتحول بعد حرب جديدة فرصةً ضائعةً كان يمكن أن توفر شروطاً أفضل.

وعليه؛ فإن من الشجاعة الاتصال والتواصل مع نواف سلام، بوصف ذلك ضرورة وطنية؛ للتفاهم معه على سد ما يمكن عَدّها ثغرات في بنود «اتفاق الإطار»، فهذا أفضل من الاتصال به يوماً لمقارنة الواقع الجديد في حينه بما كان قد طرحه «الاتفاق».