بحسب إي جي بريل في "موسوعة الإسلام"، فإن الثلاث عشرة منارة في المسجد الأُموي في حلب كانت "فريدة بين جميع العمارة الإسلامية". ويعتبر طراز جميع تلك المنارات بين الأوروبي والإسلامي والمسيحي الشرقي نموذجي بالنسبة لحضارة المتوسط الخاصة التي يتفرد بها شمال سوريا. ولكن وصلت الحرب في سوريا إلى حلب في أواخر عام 2012. وبعد أن كانت منارة المبنى أبرز معالمه أصبحت كومة من الأنقاض في ساحة المسجد الرئيسة. ولم يعد هناك الكثير مما يميز المسجد الأُموي من المدينة التي حوله سوى بعض الأعمدة المكسرة. وحلب مدمرة الآن تماماً بحيث أن من كانوا يزورونها بانتظام قبل الحرب يصعب عليهم تمييز الأماكن التي اعتادوا زيارتها من قبل.
كُتب الكثير خلال الأعوام القليلة الماضية عن سلب تراث سوريا المعماري. وذرف المؤرخون وعلماء الآثار الحبر مدراراً حول حجم الثورة، ولاحظ صندوق التراث العالمي أن "جميع المواقع الأثرية العالمية في البلد عانت من الضرر". في غضون ذلك قال مسؤول من اليونسكو إن ما حدث من دمار يبلغ أن يكون اعتداء على "روح سوريا".
إن قوة هذا التعليق الأخير تشير إلى مغزى مهم: وهو ان روح سوريا على الأقل جزئياً في مبانيها. بالطبع إن هذا النوع من الأحكام ذاتي بشكل محبط. وبالاضافة إلى ذلك، فقد يبدو تافهاً الحديث عن أحجار وطوب، بينما قُتل أكثر من 100,000 سوري بأبشع صورة. لكن لا يمكن الانتقاص من الحماس الذي دافع به الكثيرون عن تراث سوريا الثقافي أيضاً.
كيف يمكن الموازنة بين قداسة الحياة وجمال الحضارة؟ للمؤرخ ويليام دالريمبل ملاحظة مهمة في هذا الشأن: من الواضح إن كل موت مثير للاشمئزاز، لكن التدمير المعماري يمكن أن يسهل الكارثة الإنسانية بالوكالة. وإحدى المجموعات الأكثر تضرراً في سوريا حالياً هي المسيحيون، فقد أدى التدمير المتعمد للكنائس بواسطة المتشددين في أجزاء من حلب إلى إجبار الجماعة الأرمنية القديمة في المدينة إلى الهروب من البلاد. بعبارة أخرى يؤدي الاعتداء على رموز المجتمع إلى التسبب في نزوح وفوضى بقدر ما يسبب العنف ضد الأفراد. ربما كانت المباني تتعلق بالروح الثقافية للبلد في هذا الصدد بشكل ملموس.
وإن كانت هذه خلاصة تبعث على الاكتئاب بالنسبة لسوريا، فهناك شيء من العزاء يمكن استخلاصه من تجربة مدن أوروبية حطمها العنف ثم استعادت عمرانها بشكل مذهل. وأعيد بناء مدينة بطرسبيرغ بعد الحرب العالمية الثانية بصورة دقيقة وأنيقة، بحيث يصعب تصور الحصار الكارثي الذي تعرضت له المدينة والذي دام ثلاثة أعوام ومزق حياة مليون ونصف المليون نسمة. وينطبق الأمر كذلك وإن كان بدرجة أقل على المدن الألمانية مثل لايبزج ودرسدون اللتين تعتبران الآن قلعتين مزدهرتين لنهضة البلد.
لحسن الحظ لم يُنس المحو المرعب للمدن الأوروبية قبل عام 1945. فعلى الرغم من اعادة بنائها لا يزال السكان والسياح مدركين بحدة للآلام التي عاناها من سبقهم من سكان تلك المدن، وهي بالتأكيد من علامات النضج لأي مجتمع. ففي مدينة هامبورغ تمثل كنيسة القديس نيكولاس الخالية رمزاً لتلك الأزمنة المظلمة. وعلى الرغم من معاناة وارسو بعد الحرب من حب الشيوعيين للأسمنت تركت العديد من المنازل دون تغيير عمداً.
إن كان هناك دلالة لأمثلة مدن مثل هامبورغ فهي أنه يمكن استعادة الأهمية المعمارية للمكان، إن لم يكن الارتقاء به عن طريق اعادة البناء بأسلوب مؤثر وحساس. قد تكون "روح" سوريا معلقة، ولكن التجارب تقول إنه قد لا يكون حُكم عليها بالتخبط في الجحيم إلى الأبد.
هناك مخاطرة على كل حال في حالة تنفيذ إعادة الاعمار بعد الحرب بكسل أن يؤدي ذلك إلى ترسيخ المشاكل التي بدأ بسببها الصراع. ومثال واضح لذلك هو بيروت. فبعد أن تلمس لبنان طريقه إلى السلام عام 1990، استثمر رجل الأعمال والسياسي الكبير رفيق الحريري مبالغ هائلة لإعادة بناء المدينة. فازيلت المباني السكنية القديمة وحلت محلها مجمعات الشقق المكلفة. وتحول سوق بيروت الشهير إلى مول تسوق فاخر وكُنست الأكشاك التقليدية لصالح محلات غوتشي وأرماني.
كان سيئاً أنه لم يُفعل الكثير لتذكير سكان بيروت كيف كانت مدينتهم ولماذا دُمرت أصلا. إضافة إلى ذلك فبتخصيص بيروت الجديدة لأقلية ثرية يغامر القائمون عليها بمواجهة مشكلة في المستقبل. في نهاية الأمر كان مما أشعل الحرب الأهلية في لبنان عدم المساواة الاقتصادية الصارخة في البلاد. وهذا خطر بشكل خاص في بلد لا يزال عويل ضغط التنافر الطائفي فيه عاليا.
لذلك فبينما قد تشمل روح المكان أكثر من مبانيه، فمن الواضح بذات القدر أن العمارة تستطيع إنارة ممارسات الناس وأفكارهم بذات قوة تأثير الكاتب. وعندما تخرج سوريا أخيراً من الحرب فسيتساءل المعماريون والبيروقراطيون حتماً عن كيفية إعادة بناء الأمة، فقد يسلكون طريقاً أسوأ مما سلكته بعض الدول الأوروبية: يجب أن تتم إعادة التعمير بإدراك حذر لأخطاء الماضي ونيات المستقبل، وإلا فستكون هناك بالتأكيد مخاطرة بأن تذهب كل محاولات اعادة اعمار المسجد الأُموي مهما بلغت مهارة تنفيذها أدراج الرياح.
9:48 دقيقه
TT
العمارة في سوريا
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
