مظاهرات أميركا: هل تنقذ الليبرالية الديمقراطية نفسها؟

مظاهرات أميركا: هل تنقذ الليبرالية الديمقراطية نفسها؟

الخميس - 12 شوال 1441 هـ - 04 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15164]

يستثمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الانقسام الداخلي المتفاقم سعياً إلى الفوز بولاية رئاسية ثانية. لا شك في ذلك. بيد أن الاستثمار هذا لا يكفي لتفسير اتساع وخطورة المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها الولايات المتحدة على أثر مقتل مواطن أميركي – أفريقي على يد شرطي أبيض.
دخل ترمب البيت الأبيض في 2016 كتكريس لأزمة الثنائية الحزبية وعجز النخبتين الديمقراطية والجمهورية عن إنتاج حلول لنظام أصبح توازنه أشبه بالجمود. لم يكن التناوب بين الديمقراطيين والجمهوريين يعني الشيء الكثير على صعيد السياسات الكبرى في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يغير الديمقراطيون في عهد بيل كلينتون التوجه العام الذي أرساه رونالد ريغان وخليفته جورج بوش الأب لناحية تقليص الخدمات العامة والإنفاق على البرامج الاجتماعية واستدخال مفاهيم السوق والربح والخسارة الماديين إلى قطاعات كانت بطبيعتها وتعريفها خاسرة مالياً لكنها كانت توفر قدراً من الأمان الاجتماعي منذ «الاتفاق الجديد» الذي أرساه فرنكلين روزفلت واستهدف وضع حد لتداعيات الركود الكبير لعام 1929 وأضفى ليندون جونسون عليه وجهاً نابذاً للعنصرية بمشروع «المجتمع العظيم» للاستجابة لحركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي.
جاءت محاولات باراك أوباما الذي شهدت ولايتاه الرئاسيتان عدداً كبيراً من أعمال القتل التي وقعت على أيدي رجال شرطة من البيض ضد أميركيين - أفريقيين، متأخرة وغير كافية. ورغم النجاح الجزئي الذي حققه في إقرار قانون الرعاية الصحية، فقد فشل في إصلاح النظام القضائي وعلاج اكتظاظ السجون بالنزلاء من السود. وتزيد نسبة القابعين فيها من السود على 40% من مجموع عدد السجناء، في حين أن نسبة السكان السود إلى باقي الأميركيين هي 13%. تكفي هذه النسبة للاعتقاد أن النظامين القضائي والأمني يتوليان مهمة تمييزية واضحة ضد السود. يقود ذلك إلى القول إن ارتفاع معدلات الجريمة في أوساط السود يعكس الترابط التقليدي في كل المجتمعات بين الفقر والخروج عن القانون ولا يصح تفسيره بالادعاءات العنصرية عن «كسل» السود ورفضهم للعمل واتكائهم على المساعدات التي تؤمّنها السلطات، وهذه بعض من الخزعبلات التي يرددها أنصار اليمين العنصري هذه الأيام وقد ورثوها عن أسلاف قدماء.
الانقسام الديمقراطي – الجمهوري الذي أدخل النظام السياسي في حالة من العقم والجمود أفشل، إذن، كل محاولات الإصلاح بل التغيير سواء ما جرى مع أوباما في مشاريعه الداخلية، أو محاولة عزل ترمب قبل شهور، حيث بدا أن الطريق إلى استرداد فاعلية المؤسسة التشريعية تمر عبر سيطرة حزب واحد على المجلسين بعدما باتت حالات الإجماع عند نواب وشيوخ الحزبين شبه مستحيلة في الوقت الذي استغل فيه الرئيس كل السلطات التنفيذية التي يتيحها له الدستور والقانون، وهي سلطات واسعة حسب ما ظهر من قدرة ترمب على التدخل في مسائل تمتد من الاقتصاد إلى البيئة.
غذّى العجز عن كسر توازن صفري يعمل، في نهاية المطاف، على تعزيز حكم كبار المتمولين ومديري الشركات الكبرى (وهؤلاء ينتمون إلى الحزبين)، حالة الاستقطاب بين الأميركيين، كما فاض الاستقطاب هذا على المؤسسات السياسية المنتخبة في المركز والولايات. وما بدأ في أثناء حملة الانتخابات الرئاسية في 2016 كاستغلال لمشاعر الإحباط واليأس عند الأكثرية البيضاء التي عانت طبقتها الفقيرة من انتقال الإنتاج الصناعي إلى الصين خصوصاً، وسطحية المقاربات التي تبناها الديمقراطيون بقيادة هيلاري كلينتون لمسائل الهجرة والبطالة، تحول مع وصول ترمب إلى سدة الرئاسة إلى حرب اقتصادية ضارية ضد الصين وشيطنة منهجية لها لا يفوّت القائمون عليها فرصة للانقضاض على الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة في قضايا تشمل التجسس الصناعي، كما تحمل المسؤولية عن تفشي فيروس «كورونا» الذي سماه ترمب «الفيروس الصيني»، من دون أن يعني ذلك براءة بكين مما تُسند إليها من اتهامات، بل ملاءمة السلوك الصيني الطامح إلى التمدد العالمي للاستغلال السياسي في الداخل الأميركي.
وإذا أضيف على كل ما تقدم أربعون مليون عاطل عن العمل منذ فبراير (شباط) الماضي، بدت اللوحة كأنها برميل بارود ينتظر من يلقي فيه عود ثقاب مشتعلاً. وهذا ما حصل في مينيابوليس بمصرع جورج فلويد بتلك الطريقة الشنيعة.
ولا يكمن خطر المظاهرات في جانبها الأمني وفي انطوائها على أعمال نهب وعنف وتحطيم للممتلكات واستغلال عناصر إجرامية للغضب العام المشروع، بل في أنها من المرات النادرة التي تُطرح فيها مسألة قدرة الديمقراطية الليبرالية على إصلاح نفسها وعلاج أمراضها. ولئن كان هذا السؤال متداولاً في أميركا الشمالية وأوروبا في السنوات الماضية، خصوصاً منذ الأزمة المالية الكبيرة في 2008 وظهور الحدود التي لا يستطيع التمثيل السياسي التقليدي تجاوزها لعلاج أزمات هائلة الاتساع، فإن السؤال يحمل اليوم أبعاداً تتناول إعادة تشكيل المجتمع الأميركي، وهو قاطرة المجتمعات الغربية، ونظامه السياسي، خصوصاً بعد اضمحلال القوى التي أسهمت في كبح جماح التغيرات الجذرية التي وسمت أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
نتائج استطلاعات الرأي التي تمنح المرشح الديمقراطي جو بايدن، تقدماً ملحوظاً على ترمب لا تكفي للجزم بأن الرئاسة إن خرجت من بين يدي الرئيس الحالي ستنجح في بدء إصلاح كبير للنظام السياسي. فعدد الانقسامات يكاد يشمل كل الثنائيات التي يمكن التفكير فيها من عرقية وطبقية وجهوية وغيرها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة