نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
TT

الفلسطينيون والقلق من خلافة عباس

استمع إلى المقالة

من خلال طول أمد رئاسة الزعيم التاريخي ياسر عرفات، وكذلك طول أمد خليفته محمود عباس، اعتاد الفلسطينيون، فيما يبدو، ديمومة حكم الرجل الأول، مع إقرارهم بالفوارق الشخصية والموضوعية بين عرفات وعباس، حيث المشترك بينهما حركة «فتح»، ومكانتها في قلب الحالة الفلسطينية وإطاراتها المتجسّدة في «منظمة التحرير».

في عهد عرفات طويل الأمد، اجتمعت في الرجل مقوّمات زعامةٍ من طرازٍ خاص، لا يدقّق كثيراً في تطابقها مع خصائص الزعامة في الدول؛ سواءٌ أكانت تُصنّف دولَ «عالمٍ ثالث» حيث ديكتاتوريات الأفراد، أم «عالمٍ اشتراكي» حيث ديكتاتورية الحزب الواحد، أم «عالمٍ غربي» صاحب التقاليد والنظم الصارمة في مجال تداول الحكم.

وقد ورث عرفات نظاماً بسيطاً عن سلفه مؤسس «منظمة التحرير» المرحوم أحمد الشقيري، واسمه، ويا للمصادفة، أبو مازن، إلا إنه أدخل على النظام الموروث تعديلاتٍ وإضافات، جعلت النظام كله، بصيغته المعدّلة والموسعة، يسمَّى بحق «نظام عرفات». وفي مسيرة زعامته الطويلة، ظهرت معارضاتٌ لسياساته ومبادراته، كما وقعت انشقاقاتٌ وتمرّداتٌ كاد بعضها يصل إلى حد الاقتراب من إطاحته، إلا إنه، وبفعل مواهبه الاستثنائية، نجا منها، ليكرِّس زعامته مدى حياته.

في عهد عرفات بُني نظامٌ سمّي باسمه، لكنه كان حصيلة اندماجٍ لمكوّناته الوطنية باستخدامٍ جرى في منتهى الدهاء والذكاء لإطارٍ احتوى الجميع على مختلف اجتهاداتهم وحتى ارتباطاتهم، هو «منظمة التحرير»، وصار عرفات جزءاً من النظام، كما تكرّس النظام جزءاً من عرفات، وهكذا سارت الأمور إلى أن انتهى عهده بالوفاة، ليأتي من بعده زميله في القيادة التاريخية محمود عباس.

البيئة التي احتضنت زعامة عرفات تغيّرت جذرياً منذ دخل، وبإجماعٍ من قِبل نظام «منظمة التحرير»، مسارَ التسوية مع إسرائيل، بالانخراط في «فعالية مدريد الدولية»، ثم الانخراط المباشر في «فعالية أوسلو السرية»، التي جعلت «مدريد» من الماضي، وأسست لوضعٍ جديدٍ فيه من الغموض والالتباس والخطر أكبر بكثيرٍ مما فيه من بداياتٍ لتسويةٍ رغب فيها الفلسطينيون، وأساسها تخلّصهم من الاحتلال وقيام دولتهم.

توفي عرفات بعد أن جاهد لتعديل «مسارات أوسلو»، بما في ذلك لجوؤه إلى العمل المسلّح المفترض أنه تمّ الانتهاء منه، ليأتي بعده عباس الذي اكتسب لقب «مهندس أوسلو»؛ مما جعل من الرهان عليه لإنقاذ المشروع المتعثر أمراً منطقياً... فمَن غيره يصلح لمهمةٍ كهذه؟

كان يمكن لعباس أن يفعل شيئاً لإنقاذ «مشروع أوسلو» من الانهيار الكلّي، لو لم يكن صنّاع القرار في إسرائيل تغيّروا، فقد ذهب الشركاء وحلّ محلّهم الأعداء، وهكذا فقدَ عباس ميزة «مهندس أوسلو».

منذ نودي به خليفةً لعرفات، وعلى مدى العقدين اللذين احتل فيهما مقام الرجل الأول، لم يبقَ من «أوسلو» سوى أعبائها، بعد أن جرّدها الثنائي؛ رئيسا وزراء إسرائيل، أرييل شارون وبنيامين نتنياهو، من مزاياها الموثقة على الورق، فاضطر عباس إلى ممارسة دور الرجل الأول من بين أنقاض البناء الذي شارك في هندسته.

لم تكن عمليةُ السلام التي بدأت بـ«مدريد» وانتقلت إلى «أوسلو» هي الضحيةَ الوحيدة للانقلاب الإسرائيلي عليها، بل وقعت ضحيةٌ أخرى موازية، صنعتها الحالة الفلسطينية ذاتها، هي «وحدة الفلسطينيين»، فتشتت نظامهم السياسي، وانتهى نفوذ الرجل الأول على جزءٍ مهمٍ من الوطن؛ إذ لأول مرة في تاريخ العمل الفلسطيني تنقسم البلاد جغرافياً وشعبياً وسياسياً وشرعيةً؛ مما اضطر العالم إلى التعامل مع نظامَين وشرعيتين؛ فوضع ذلك في يد إسرائيل ما لم تكن لتحلم به، وهو تعزيز سيطرتها على كيانَي الانقسام؛ بحرب إبادةٍ على غزة، وحرب نفوذٍ مطلقٍ تسعى إليه في الضفة.

لم يعد لدى الفلسطينيين نظامٌ واحدٌ كما كان الأمر زمن «منظمة التحرير» في المنفى، وزمن ياسر عرفات في السلطة، ولم يعد رأس النظام مَن يجرى الحديث معه ممثلاً مكتمل الشروط للحالة الفلسطينية، فإسرائيل تعمل على تقويض الإمكانات المتواضعة لسلطته في الضفة، أمّا غزة، فهي منذ انقلاب «حماس» خرجت عن سيطرته بينما نظامها فيها يواصل احتضاره.

القلق الفلسطيني هدأ قليلاً حين أصدر الرئيس عباس مراسيمه بشأن الانتخابات العامة التشريعية، محدداً موعدها والقانون الذي ستُجرى بمقتضاه، غير أن ما يثير القلق هو الفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكذلك احتمالات التراجع عن المراسيم التي صدرت، بفعل ضغوط «الحرس القديم» لضمان نفوذِه أو بعضِ ما تبقى منه. وقد ظهرت جرّاء ذلك مخاوف بشأن جدّية التوقيت والإجراءات، فضلاً عن تزويد الصراع الصامت والعلني على الخلافة بوقودٍ إضافيٍ يزيده اشتعالاً، ليس فقط على صعيد التنافس التقليدي بين «فتح» و«حماس»، بل على صعيد «فتح» الداخلي، حيث تكرار ظاهرة القوائم المتعددة، التي تحمل اسمها.

هذا على الصعيد التشريعي... أمّا الرئاسي، فلا أحد يعرف: هل مِن مرشحين إضافيين للرئاسة غير مروان البرغوثي؟ الذي سينافس من سجنه من دون ضماناتٍ بتمكينه من خوض الانتخابات طليقاً، بوصف ذلك أبسط شرطٍ من شروط منافسةٍ حقيقية.

القلق يتعمّق والمعالجات مترددة بكل أسف.