في سبتمبر (أيلول) 2015، استيقظ العالم على اعتراف شركة «فولكس فاغن» بتلاعبها في اختبارات انبعاثات الكربون لأحد عشر مليون سيارة حول العالم، وخلال أيام معدودة فقدت الشركة نحو ثلث قيمتها السوقية، وتجاوزت تكاليف الفضيحة لاحقاً ثلاثين مليار يورو بين غرامات وتسويات وتعويضات. وفي الغرب مجمله، وألمانيا تحديداً، فإن الانبعاثات الكربونية موضوع لا يمكن العبث به، ولكن اللافت في القصة أن مصانع الشركة لم تتوقف، وسياراتها لم تتغير، ومهندسيها لم يغادروا مكاتبهم، فأين القيمة التي تبخرت بسرعة؟ والإجابة عن ذلك تكمن في أصلٍ لا يظهر في خطوط الإنتاج ولا في المستودعات؛ إنه السمعة، التي قال عنها وارن بافيت إن بناءها يحتاج إلى عشرين عاماً، وهدمها لا يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق.
وما كان يوصف يوماً بأنه مفهوم أخلاقي فضفاض، أصبح اليوم أصلاً اقتصادياً يقاس ويثمّن، حتى شاع في أدبيات الإدارة مصطلح «اقتصاد السمعة». والسمعة أوسع من العلامة التجارية التي تعد جوهر الأصول غير الملموسة، فالعلامة التجارية وعدٌ تقدمه الشركة لعملائها، أما السمعة فهي حكم يصدره عليها الجميع، من الموظفين والمستثمرين إلى المنظمين والمجتمع بأسره. وتقدّر الدراسات أن الأصول غير الملموسة باتت تشكل نحو 90 في المائة من القيمة السوقية لكبرى الشركات الأميركية، بعد أن كانت دون 20 في المائة في سبعينيات القرن الماضي، وأن السمعة وحدها تفسر أكثر من ربع القيمة السوقية لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز»؛ أي ما يقارب اثني عشر تريليون دولار.
وتترجم السمعة إلى أرقام بطرق يعرفها القارئ من تجربته اليومية، فالشركة حسنة السمعة تبيع منتجاتها بأسعار أعلى من منافسيها حتى وإن تقاربت المواصفات، وتقترض من البنوك بفوائد أقل، وتجذب أفضل المواهب دون رواتب استثنائية، ويمنحها عملاؤها فرصة ثانية عند أول خطأ، فتعمل السمعة عندها عمل وثيقة تأمين غير مكتوبة تحتمي بها الشركة وقت الأزمات.
والمفارقة أن هذا الأصل الثمين لا يظهر في ميزانية الشركة التي بنته، فالمعايير المحاسبية تمنع الشركات من إثبات سمعتها المولّدة داخلياً ضمن أصولها، ولا تظهر قيمتها إلا في لحظة واحدة، هي لحظة بيع الشركة؛ إذ يسجَّل الفارق بين الثمن المدفوع والقيمة العادلة لأصولها في ميزانية المشتري تحت بند «الشهرة»، وهو في جوهره ثمن السمعة وولاء العملاء وقوة الاسم، ثم تخضع هذه الشهرة لاختبار سنوي، فإذا تآكلت السمعة شُطبت قيمتها من الميزانية وضُربت الأرباح مباشرة. وهكذا، فإن أثمن ما تملكه الشركة لا يمكن رؤيته في قوائمها المالية، ويُرى فقط في دفاتر من يشتريها.
ولعل أبلغ الأمثلة على عوائد السمعة قصة شركة «جونسون آند جونسون» عام 1982، حين تُوفي سبعة أشخاص في شيكاغو بعد تناولهم عبوات من مسكّنها الشهير «تايلينول» دسّ فيها مجرم مادة سامة، فسحبت الشركة أكثر من ثلاثين مليون عبوة من الأسواق بتكلفة قاربت مائة مليون دولار، رغم أنها لم تكن مخطئة ولم يكن القانون يلزمها بذلك، وهبطت حصة المسكّن السوقية من 37 إلى 7 في المائة، لكنها استعادتها كاملة خلال عام واحد تقريباً، وغدت القصة المعيار الذهبي لإدارة الأزمات، بتكبد الشركة خسارة مؤلمة قصيرة المدى اكتسبت على أثرها ثقة استمرت عقوداً.
وفي المقابل، تقدم «تسلا» المثال المعاكس الأحدث، فقيمة علامتها التجارية هبطت 36 في المائة خلال عام 2025 وحده، في ثالث هبوط سنوي على التوالي، وتراجعت تسجيلات سياراتها في أوروبا بنحو 40 في المائة، وهبط استعداد الأميركيين للتوصية بسياراتها من 8.2 من عشر درجات إلى 4 درجات خلال عامين فقط. لم يتغير المنتج كثيراً، لكن انخراط مؤسّسها في السياسة غيّر نظرة الناس إلى الشركة كلها، ليتضح أن سمعة الرئيس التنفيذي لم تعد شأناً شخصياً، بل أصل من أصول الشركة أو التزام عليها.
غير أن في السوق من يشكك في هذا الاقتصاد كله، وحجج المشككين لا يمكن إغفالها، فـ«فولكس فاغن» نفسها عادت خلال عامين فقط إلى صدارة مبيعات السيارات العالمية وكأن شيئاً لم يكن، وهو ما يوحي بأن ذاكرة الأسواق والمستهلكين أقصر من المتوقع، كما أن بعض الشركات سيئة السمعة تزدهر لعقود؛ لأنها تحتكر أسواقها أو تبيع بأسعار لا يجاريها فيها أحد، فالمستهلك الذي يعلن غضبه مساءً قد يعود للشراء صباحاً إن ناسبه السعر. ويرى هؤلاء أن صناعة «إدارة السمعة» المزدهرة ليست في كثير من الأحيان إلا تجميلاً للصورة لا إصلاحاً للجوهر، والتفريق بين شركة تحسّن سلوكها وأخرى تحسّن إعلاناتها ليس سهلاً على المستهلك ولا على المستثمر.
وما أضاف قيمة إضافية للسمعة أن التقنية جعلت تأثيرها أوسع وأسرع مما كان في أي وقت مضى، فقد وجدت دراسة شهيرة من جامعة هارفارد أن ارتفاع تقييم المطعم نجمة واحدة على منصات التقييم يزيد إيراداته ما بين 5 و9 في المائة؛ أي إن هذا الاقتصاد لم يعد حكراً على الشركات العملاقة، بل يطول مطعم الحي والمتجر الإلكتروني الصغير... بل الأفراد أنفسهم في سيرهم المهنية.
والخلاصة أن السمعة أصل حقيقي، لكنها لا تعوّض منتجاً رديئاً، ولا تصلح خللاً في الجوهر، وأن أذكى استثمار فيها ليس مزيداً من الإعلانات، بل السلوك نفسه، فالسمعة في نهاية المطاف ليست ما تقوله الشركة عن نفسها، بل ما يقوله الآخرون عنها.
