سيغيف المتهم بالتجسس لإيران تسبب بـ «اختراق كبير» لأمن إسرائيل

مسؤولون سابقون في «الشاباك» يعتقدون بوجود جواسيس آخرين

سيغيف بين شرطيين في المحكمة في تل أبيب (أ.ف.ب)
سيغيف بين شرطيين في المحكمة في تل أبيب (أ.ف.ب)
TT

سيغيف المتهم بالتجسس لإيران تسبب بـ «اختراق كبير» لأمن إسرائيل

سيغيف بين شرطيين في المحكمة في تل أبيب (أ.ف.ب)
سيغيف بين شرطيين في المحكمة في تل أبيب (أ.ف.ب)

على الرغم من محاولات المخابرات الإيرانية والإسرائيلية التقليل من خطورة تجنيد وزير الطاقة الأسبق في حكومتي إسحق رابين وشيمعون بيرس، جونين سيغيف، أكد مصدر أمني كبير في تل أبيب أن ما قام به المتهم خلال 6 سنوات متواصلة، من دون أن يكتشف أمره، أحدث اختراقاً كبيراً، وألحق أضراراً أمنية من الصعب إحصاؤها في هذه المرحلة، ليس لإسرائيل وحدها، بل لدول أخرى تعاطى معها ومع دبلوماسييها، فيما توقع مسؤولون سابقون في جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) أن «يكون هناك المزيد من الجواسيس الإسرائيليين الذين يعملون لصالح أعدائها».
فقد كان سيغيف صاحب عيادة طبية ناجحة، تحولت إلى مركز طبي كبير، في مدينة أبوجا في نيجيريا. وبالإضافة إلى الاتهامات الواردة في لائحة الاتهام الرسمية، التي بقيت بمعظمها سرية يحظر نشرها، تخشى المخابرات الإسرائيلية أن يكون زوار العيادة من الدبلوماسيين الإسرائيليين والأجانب قد تعرضوا لعمليات اختراق لحواسيبهم.
ويقول جنرال كبير سابق في «الشاباك» إن «سيغيف كان وزيراً للطاقة، وقريباً من المعلومات الأمنية الدقيقة قبل 22 عاماً (1995 - 1996)، ولذلك فإن المعلومات التي يملكها تعتبر قديمة، ولا يشكل نقلها للإيرانيين خطراً فادحاً، لكنه تمكن من الإفادة من موقعه الرفيع السابق والعلاقات الواسعة التي أقامها، وسعى إلى توسيعها عبر السنين. ومن بين معارفه عدد غير قليل من الجنرالات السابقين في الجيش الإسرائيلي الذين تسرحوا من الخدمة، وخرجوا إلى أفريقيا يبحثون عن مستقبل اقتصادي. فهؤلاء وجدوا في سيغيف عنواناً للتعرف على رجال أعمال كثيرين من مختلف بلدان العالم، وبينهم إيرانيون يعتقد أنهم رجال أمن تخفوا كرجال أعمال».
ويضيف الجنرال المذكور: «هناك مشكلة أخرى خطيرة تكمن في المركز الطبي، فقد جند سيغيف إلى جانبه عدداً من الأطباء من مختلف دول العالم، وحرص على أن يكون مركزه الطبي بمستوى عالٍ، جذب دبلوماسيين من سفارات عدة، بينهم دبلوماسيون إسرائيليون».
ويتضح أن سيغيف يحمل سيرة ذاتية غنية بالتقلبات التي جعلت منه شخصية غريبة، وفي الوقت نفسه خطرة. وسيغيف من مواليد إسرائيل في عام 1956، بدأ طريقه في الجيش الإسرائيلي جندياً في سلاح الجو، لكنه استصعب الموضوع وانتقل إلى وحدة برية قتالية، ثم تدرج ليصل إلى رتبة ضابط. وخلال خدمته العسكرية، أصيب في أثناء لعبة لكرة السلة وأصبح معوقاً جزئياً، وحرص على الادعاء أنه أصيب خلال عملية قتالية. درس الطب وأصبح طبيب أطفال. وبسرعة شديدة، ترك الطب وانضم إلى رفائيل إيتان، رئيس أركان الجيش الأسبق، عندما أقام حزب «تسومت» اليميني في نهاية الثمانينات. وبعد اتفاقات أوسلو، خالف تعليمات إيتان، وصوت مع الاتفاقيات بشكل مفاجئ، فصبغه اليمين بدمغة الخيانة. وقد أخذه إسحق رابين وزيراً للطاقة في حكومته مكافأة على تصرفه. وبقي في الحكومة بعد اغتيال رابين، وتسلم شيمعون بيرس الحكم سنة 1996. وعندما فاز نتنياهو أول مرة، ترك سيغيف السياسة وتوجه ليعمل في قيادة إحدى شركات النفط في إسرائيل، وهي التي تدير مصانع تكرير البترول في حيفا.
وفي سنة 2003، علا نجم سيغيف من جديد في وسائل الإعلام، مع فضيحة الاتجار بالمخدرات. فقد ضبط في فندق في بلدة سكيبهول الهولندية وقد خبأ 32 ألف حبة «إكستازي»، لكنه تمكن من الإفلات والوصول إلى إسرائيل، بعد أن زيّف جواز سفره الدبلوماسي المنتهي الصلاحية. وهنا، تم اعتقاله ومحاكمته. وفي سنة 2005، قضت عليه المحكمة بـ5 سنوات ونصف السنة، و27 ألف دولار غرامة، وسحبت رخصة عمله كطبيب إلى الأبد. وخلال سجنه، اتضح أنه نفذ عمليات نصب واحتيال، ثم جرى إطلاقه في 2007، بعد أن تم تخفيض فترة الحكم نتيجة لحسن سلوكه.
وبدأت علاقات سيغيف مع الإيرانيين في سنة 1999، حيث قام قيس عبيد، المواطن العربي من مدينة الطيبة في إسرائيل، بالاتصال به والتحدث معه حول إمكانية التعاون التجاري. وعبيد كان رجل أعمال اعتقل في إسرائيل بتهمة الاتجار بالمخدرات وبالسلاح، وبالعلاقات مع «حزب الله» اللبناني. وقد تعاون سيغيف مع عبيد في تجارات مع الصين وأوروبا.
وفي سنة 2012، أقام سيغيف عيادته الطبية في نيجيريا، رغم أن المحكمة الإسرائيلية سحبت رخصته الطبية. وقد اتصل مع وزير الصحة الإسرائيلي يعقوب ليتسمان ليسترد رخصته، فلم يتجاوب معه. وتقول مصادر أمنية إن سيغيف حاول في هذه الأثناء أن ينتسب إلى الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية)، موضحاً أن بمقدوره الوصول إلى شخصيات إيرانية مهمة يحصل منها على معلومات، لكنه لم يقبل وشعر بالإهانة. وكما يقول يتسحاق إيلان، نائب رئيس جهاز «الشاباك» حتى عام 2010، فإن «هناك إشاعات أن سيغيف قام بما قام به بسبب المال، لكن هناك احتمالات أخرى، فقد كان يشعر أنه غير مرغوب فيه من قبل الإسرائيليين، فتولدت لديه دوافع للانتقام من إسرائيل». وعليه، فقد وجد طريقة للاتصال، بمبادرة منه، بالإيرانيين، منذ ذلك الوقت، وعمل 6 سنوات قبل أن يتم اكتشافه.
وذكر «الشاباك»، في بيان له، أنه تتبع خطوات سيغيف وتصرفاته الغريبة منذ سنوات، وانتظر أن يرتكب الخطأ الذي يوقعه، ليعتقله ويجلبه إلى البلاد. وفي مايو (أيار) الماضي، تم اعتقال سيغيف، بالتعاون بين الشرطة وأجهزة الأمن في إسرائيل وبين سلطات غينيا. فقد سافر من نيجيريا إلى غينيا الاستوائية، كما يبدو، بعد أن نجح طرف ما في إغرائه على الإقدام على هذه الخطوة. ورفضت غينيا إدخاله، وأرسلته إلى إسرائيل بناء على طلب من الشرطة الإسرائيلية. وفور وصول سيغيف إلى البلاد، تم إخضاعه للتحقيق من قبل الشرطة و«الشاباك»، بعد جمع معلومات أسست لأدلة على أن سيغيف طور علاقات مع جهات في الاستخبارات الإيرانية، وساعدها في أنشطتها ضد إسرائيل، بل سافر إلى إيران مرتين، حيث أجرى لقاءات وجلسات مع مشغليه من الاستخبارات الإيرانية. ويرجح أن سيغيف حصل أيضاً على معدات وآليات تستخدم في التجسس، وعلى وسائل ورموز سرية تساعده في التواصل مع المخابرات الإيرانية.
وأوضحت تحقيقات «الشاباك» أن الوزير الإسرائيلي الأسبق للطاقة سلم معلومات للمخابرات الإيرانية حول قطاع الطاقة الإسرائيلي، ومعلومات عن المنشآت الأمنية، وكذلك معلومات عن شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية بارزة. ولكي يقوم سيغيف بالمهام التي أوكلت إليه من قبل المخابرات الإيرانية، اعتاد على الاتصال والتواصل مع مواطنين في إسرائيل على تماس بمجال الأمن والعلاقات الخارجية والدبلوماسية، حيث نشط سيغيف من أجل الوساطة بين مواطنين من إسرائيل والمخابرات الإيرانية.
لكن محامي الدفاع عنه يقولون إن لائحة الاتهام مضخمة، وإن بيان «الشاباك» مضخم أكثر، وهناك هوة سحيقة بين الحقيقة وما يقال. غير أن المحكمة رأت الأمر بشكل مخالف، وقررت تمديد اعتقاله حتى انتهاء المحاكمة، ما يعني أنها تصدق الاتهامات ضده. وأول ما قاله في التحقيق إنه حاول فتح طريق لخدمة الموساد.

جواسيس سابقون في إسرائيل
> عرفت إسرائيل، عبر تاريخها، كثيراً من الجواسيس الذين عرضوا وقدموا خدماتهم لدول معادية، بدءاً بجواسيس خدموا الدول العربية، وجواسيس لروسيا ولإيران وغيرهما. وقد كانت إسرائيل يقظة إزاء خطر نشوء جواسيس فيها منذ البداية، بل بالغت في حساباتها، فكانت تعتقل كثيرين من اليهود الذين هاجروا إليها من الدول العربية، ووضعت قادتهم موضع شك، ويقال إن أحد أسباب التوجه العنصري لليهود الشرقيين من اليهود الغربيين (الأشكناز) هو الخوف من أن يكونوا جواسيس. وقد أدى ذلك إلى خلود الشرقيين إلى أحزاب اليمين، ومحاولة إثبات إخلاصهم لإسرائيل عن طريق تبني مواقف عنصرية وعدائية ضد العرب.
وكانت الدوافع للتجسس مادية بالأساس، ولكن إسرائيل شهدت أيضاً جواسيس يهود عقائديين؛ شيوعيون تجسسوا لصالح الاتحاد السوفياتي، أو عامل في مفاعل ديمونا أراد فضح التسلح النووي، وهكذا.
من أبرز الجواسيس الذين ضبطوا:
- في سنة 1954، تم ضبط جاسوس لصالح مصر، هو ألكسندر يسرائيل. وقد قام الموساد بخطفه في أوروبا بعد تنويمه، لكن يبدو أن التنويم تم باستخدام مادة لا تلائمه، فتوفي في الطائرة، وألقوا به من الطائرة في البحر المتوسط.
- في سنة 1956، ألقي القبض على الدبلوماسي الإسرائيلي زئيف أفني، الذي أدين في المحكمة بتهمة التجسس لصالح روسيا، ونقل معلومات لها عن نشاطات عسكرية، وحكم عليه بالسجن 14 عاماً.
وفي السنة نفسها، تم اعتقال ألكسندر يولين الذي أدين بتهمة التجسس لصالح مصر وبعض دول أوروبا الشرقية. وبعد آخر زيارة للقاهرة، سلم نفسه للشرطة، وعرض أن يكون جاسوساً مزدوجاً، فرفضوا وحكموا عليه.
- في الخمسينات، عرفت قصة تجسس أخرى لصالح مصر، حظر نشر تفاصيلها الدقيقة. فقد تم إرسال مجموعة من رجال الموساد إلى مصر لينفذوا عمليات تفجير ضد أهداف أميركية في القاهرة والإسكندرية، بهدف تخريب العلاقات الودية التي بدأت تتطور بين الولايات المتحدة ومصر. أحد هؤلاء، ويدعى أبري غلعاد، قرر أن يسلم نفسه للمخابرات المصرية، وكشف عن المخطط، وتم إجهاضه، وتمكنت إسرائيل من خطفه ومحاكمته فيها، ثم هجرها بعد انقضاء محكوميته.
- في سنة 1960، حوكم عالم الفيزياء العالمي البروفسور كورت سيطا بتهمة التجسس لصالح تشيكوسلوفاكيا، الدولة التي هاجر منها. وكان سيطا عضواً في لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية، وتبين أنه لم يسلم معلومات كبيرة، فاكتفوا بالحكم عليه بالسجن 5 سنوات.
- سنة 1961، اعتقل الجنرال يسرائيل بار الذي كان معروفاً بقربه من رئيس الوزراء الأول ديفيد بن غوريون، وحكم عليه بالسجن 15 سنة بتهمة نقل معلومات عسكرية خطيرة إلى الاتحاد السوفياتي.
- في سنة 1973، تم القبض على تنظيم تجسس لصالح سوريا، قاده اليهودي إساف أديب، ومعه عدد من النشطاء العرب من فلسطينيي 48، وقد حكم عليه بالسجن 12 عاماً.
- في سنة 1983، حكم على ماركوس كلينبيرغ بالسجن 20 سنة، بعد إدانته بالتجسس لصالح الاتحاد السوفياتي لأسباب آيديولوجية.
- في سنة 1987، حكم على شبتاي كلامنوفتش بتهمة التجسس للاتحاد السوفياتي، وحكم عليه بالسجن 9 سنوات.
- في سنة 1988، حكم على مردخاي فعنونو بالسجن 18 عاماً، بعد إدانته بتهمة نقل أسرار المفاعل النووي في ديمونا إلى صحيفة «صنداي تايمز»، وقد تم خطفه من إيطاليا سراً، ونقل إلى إسرائيل.
- في 1997، ألقي القبض على رجل الأعمال ناحوم عنبار، وحكم عليه بالسجن 16 عاماً بعد إدانته بالتجسس لصالح إيران.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.

عاجل بدء سريان الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية