غضب يمني وتنديد غربي بمجزرة الحوثيين في مدينة رداع

سقوط ضحايا إثر تفجير الجماعة منازل على ساكنيها

يعتنق الحوثيون عقيدة التنكيل بخصومهم ومعارضيهم وتفجير منازلهم (إ.ب.أ)
يعتنق الحوثيون عقيدة التنكيل بخصومهم ومعارضيهم وتفجير منازلهم (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني وتنديد غربي بمجزرة الحوثيين في مدينة رداع

يعتنق الحوثيون عقيدة التنكيل بخصومهم ومعارضيهم وتفجير منازلهم (إ.ب.أ)
يعتنق الحوثيون عقيدة التنكيل بخصومهم ومعارضيهم وتفجير منازلهم (إ.ب.أ)

لقيت مجزرة الجماعة الحوثية في مدينة رداع اليمنية التابعة لمحافظة البيضاء، غضباً حكومياً وشعبياً واسعاً، وتنديداً غربيا، وسط سعي الجماعة الموالية لإيران للتنصل منها ووصفها بـ«العمل الفردي».

وكان مسلحو الجماعة، أقدموا، الثلاثاء، على تفخيخ منزل وملحَق به، لأحد خصومهم في المدينة، قبل أن يؤدي تفجيره إلى انهيار المنازل المجاورة له على ساكنيها، حيث تشير تقارير حكومية إلى مقتل 33 وإصابة نحو 15 آخرين، بينهم نساء وأطفال ومسنون.

بقايا منازل فجرها الحوثيون في مدينة رداع اليمنية ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من سكانها (إكس)

ومن بين القتلى 9 أشخاص من أسرة واحدة قضوا بعد تهدُّم منزلهم، حيث قام السكان بعمليات الإنقاذ، بينما سارعت الجماعة في بيان إلى وصف الجريمة بأنها «تصرف فردي» من عناصرها، وسط اتهامات لعبد الكريم الحوثي، وهو عم زعيم الجماعة المعيَّن في منصب وزير داخليتها بإعطاء الأوامر لتفجير المنازل.

وطبقاً لمصادر محلية، كانت الجماعة التي تعتمد أسلوب التنكيل بخصومها، أرسلت حملة أمنية من صنعاء مكونة من 12 عربة عسكرية على الأقل إلى حي الحفرة في مدينة رداع، لملاحقة أحد سكان الحي، قبل أن يقوم عناصرها بعملية التفخيخ والتفجير.

وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي حجم المأساة التي خلَّفتها الجريمة، في حين خرج المئات إلى شوارع المدينة يهتفون بسقوط الحوثيين، ويصفون زعيمهم بأنه «عدو الله»، قبل أن يرد مسلحو الجماعة بإطلاق النار عليهم لتفريقهم.

وفي أول تعليق دولي على الواقعة، عبَّرت بعثة الاتحاد الأوروبي إلى اليمن عن صدمتها بشدة، إزاء التقارير التي نُشِرت حول تفجير منزل في رداع، بمحافظة البيضاء، مما أسفر عن مقتل وجرح العديد من الأبرياء، بمن فيهم نساء وأطفال.

وقالت البعثة في تغريدة على منصة «إكس»: «تشكل هذه الجريمة المروعة انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، ويجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها».

السفارتان الأميركية والبريطانية أدانت بدورهما الحادث عبر بيانين منفصلين، وسط تأكيد على أن هذه الهجمات تذكر بالمعاناة التي يعانيها اليمنيون من الحوثيين.

يقول الكاتب والباحث اليمني همدان العليي لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الجريمة ليست خطأ فردياً، ولن تتم معالجة مثل هذه الجرائم بمجرد التحقيق فيها أو معاقبة مَن ارتكب بعضها هنا أو هناك.

وأضاف العليي، وهو مؤلف كتاب «الجريمة المركبة» أن عمليات تفجير المنازل سياسة ممنهجة تمارسها جماعة الحوثي من 2004 حتى اليوم.

غضب حكومي

شهدت الجريمة الحوثية في مدينة رداع تفاعلاً رسمياً على أعلى المستويات اليمنية، وشبَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح ما حدث بأنه يضاهي ما يفعله الإسرائيليون في غزة «دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل أو تعاليم الإسلام أو تقاليد وأعراف اليمنيين أو المبادئ الإنسانية».

وتعهَّد عضو مجلس الحكم اليمني بأن «دماء اليمنيين التي أراقها الحوثي لن تُقيَّد ضد مجهول»، ووصف الجريمة المروعة بأنها «استمرار في النهج الإرهابي والطائفي لميليشيا تتشدق بالدين، وهو منها بريء».

مسن تم انتشاله من تحت أنقاض منزله جراء التفجير الحوثي في رداع قبل أن يموت كمداً على أسرته (إكس)

من جهتها، عبَّرت الحكومة اليمنية عن إدانتها بأشد العبارات؛ «الجريمة البشعة»، وقالت في بيان رسمي إن «هذه المجزرة والجريمة الإرهابية المروعة التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية في هذا الشهر الفضيل هي تجلٍّ كاشف لطبيعة هذه الجماعة الإرهابية المجرمة وسلوكها البشع، وامتداداً لعدوانها الذي تمارسه ضد الشعب اليمني منذ تمردها على الدولة».

وأضاف البيان أن «الحكومة اليمنية، وهي تدعو المجتمع العربي والإسلامي والدولي وكافة المنظمات الإنسانية إلى إدانة هذه الجريمة المروعة، تؤكد أن جرائم وانتهاكات ميليشيا الحوثي الإرهابية لن تسقط بالتقادم، وتجدد التزامها باستعادة مؤسسات الدولة وإسقاط الانقلاب وفرض الأمن والاستقرار وإنهاء الإرهاب الحوثي».

وفي حين تسعى الجماعة الحوثية للتنصل من الجريمة، بوصفها سلوكاً فردياً من عناصرها، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في بيان إن «الميليشيا تخطط لتقديم عدد من عناصرها في مدينة رداع (كبش فداء) لامتصاص الغضب الشعبي، والتغطية على تورط قياداتها العليا في تلك الجريمة النكراء وذر الرماد على العيون».

وأضاف أن الحملة المسلحة التي ارتكبت الجريمة مكونة من مدرعات وعربات خرجت من العاصمة المختطَفة صنعاء، بأوامر مباشرة من قيادات أمنية عليا في ميليشيا الحوثي الإرهابية، وضمت فريقاً هندسياً مجهّزاً بأدوات التفجير أوكلت له مهمة زرع المتفجرات حول منازل (آل ناقوس، وآل الزيلعي) وتفجيرها.

وأكد الوزير اليمني أن سياسة تفجير المنازل وتهجير سكانها ليست عملاً فردياً وإفراطاً في استخدام القوة، كما حاول بيان ميليشيا الحوثي تصويرها، بل هي منهج وسلوك وأسلوب اتخذته الميليشيا منذ الانقلاب لإرهاب المواطنين، والانتقام من المناهضين لمشروعها الانقلابي.

وأشار الإرياني إلى أن منظمات حقوقية وثَّقت قيام ميليشيا الحوثي بتفجير 900 من منازل قيادات الدولة والجيش والأمن والسياسيين والإعلاميين والمشايخ والمواطنين، وقال إن الجريمة «تسلط الضوء على حقيقة ميليشيا الحوثي، التي تدعي كذباً وزوراً حميتها وإنسانيتها وتحركها لنصرة غزة، بينما هي تهدم بيوت اليمنيين على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال».

في السياق نفسه، نددت وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية بـ«الجريمة»، وقالت إن ذلك «يستدعي من كافة المنظمات الدولية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان العمل على رصد وتوثيق هذه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها ميليشيات الحوثي بحق المدنيين وإيصالها للرأي العام وكافة الهيئات الأممية تمهيداً لملاحقة هذه الميليشيات الإرهابية».

ودعت الوزارة في بيان المبعوث الأممي للأمم المتحدة الخاص باليمن ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية إلى إدانة الانتهاكات الخطيرة والجسيمة الحوثية بحق المدنيين في مدينة رداع ومحافظة البيضاء ومختلف المدن اليمنية والعمل على توفير الحماية الكاملة للمدنيين.

إدانة حزبية وحقوقية

أفادت منظمة «مساواة» للحقوق والحريات في بيان صحافي، بأنها تلقت بلاغات تفيد بإقدام الحوثيين على تفجير 8 منازل في حي الحفرة بمدينة رداع في محافظة البيضاء، منها منزلان دُمّرا على رؤوس ساكنيهما.

وأورد البيان أسماء 9 قتلى من عائلة اليريمي إضافة إلى 9 جرحى من العائلة نفسها، إلى جانب أسماء الجرحى من العائلات الأخرى.

وأوضحت المنظمة أن المنازل التي تم تفجيرها هي منزل محمد اليريمي ومنزلان لإبراهيم الزيلعي ومنزل لعلوي المجاهر ومنزل آل ناقوس ومنزل أحمد خلبي ومنزل صالح هادي ومنزل آل الفيه، حيث فرض المسلحون الحوثيون حصاراً خانقاً على حي الحفرة، وقاموا بزرع شبكة ألغام واسعة في أركان المنازل التي تم تدميرها، ونفذوا حملة اقتحامات للمنازل واعتقالات واسعة.

تزعم الجماعة الحوثية مناصرة الفلسطينيين وتطلق يدها لانتهاك حقوق اليمنيين (رويترز)

من جهتها، أدانت الأحزاب اليمنية ممثلة في «التحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية» بأشد العبارات الجريمة الحوثية في رداع، ووصفتها بأنها «سلسلة وامتداد لنهج وسلوك ميليشيا الحوثي الدموي المألوف والممتد على مدى السنوات الماضية في كل ربوع اليمن».

وقالت الأحزاب في بيانها إن «هذه الجريمة النكراء مثال واضح يكشف حقيقة هذه الميليشيا الإرهابية التي ما فتئت تدّعي حرصها وتعاطفها ومناصرتها للشعب الفلسطيني، بينما تمارس بحق اليمنيين السلوك ذاته الذي يمارسه الإسرائيليون».

وطالبت الأحزاب اليمنية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بالتحرك لإنجاز مشروع استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والتمرد الحوثي بكل السبل المتاحة ووسائل النضال الوطني الإنساني الشامل لرفع المعاناة والظلم وإنهاء مشروع الإرهاب الحوثي قبل أن يستفحل خطره وتتضاعف التكلفة البشرية والمادية لمواجهته والقضاء عليه. وفق ما جاء في البيان.


مقالات ذات صلة

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العالم العربي العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم.

عبد الهادي حبتور (المكلا ) علي ربيع (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

اليمن يدخل مرحلة حاسمة لاستعادة الدولة وحصر السلاح بيدها، والعليمي يؤكد السعي لتوحيد القوات، ويصف حل «الانتقالي» بالقرار الشجاع والمسؤول.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

دخل اليمن مرحلة الحسم مع إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا وتوحيد القرار الأمني، في رسالة ردع للحوثيين وتحول من إدارة الأزمة إلى استعادة الدولة سلماً أو حرباً.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

ذكرت السفارة الأميركية في اليمن الأحد أن السفير ستيفن فاغن عبّر عن دعمه لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية وذلك خلال اجتماع مع المحرّمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون مستمرون في أعمال الحشد والتعبئة العسكرية في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

الحوثيون يستغلّون الأحداث جنوباً لمهاجمة مساعي الاستقرار

يهاجم الحوثيون مساعي استعادة الاستقرار جنوب اليمن، عبر حملات تحريض وتضليل، مستغلين الأحداث لإرباك المشهد، لأن أي هدوء يُهدد مشروعهم القائم على الفوضى والانقسام.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».