أندريه فالنتينو
محب للتجول حول العالم، وخصوصا الشرق الأوسط
TT

زيارة إلى الصين

بينما تدور قصص لا حصر لها في الإعلام الغربي حالياً حول قفزة الصين العنيدة نحو قمة العالم الاقتصادية، يستطيع الأميركيون أن يرتاحوا بسبب حقيقة انه عندما يتعلق الأمر بالوجبات السريعة فان سيطرة مطاعم ماكدونالد وبيرغر كنغ على السوق العالمي قد لا تحل محلها المطاعم الصينية المنافسة في المدى القريب.
وحتى السكان من الطبقة الوسطى في المنطقة يغلقون أنوفهم اشمئزازاً عندما يمرون قرب كشك للطعام الصيني على الشارع، مما يدل بالتأكيد على ان تشكيلة شنغهاي من الزلابية المسلوقة وكرات اللحم (اني استخدم كلمة اللحم بحذر) لن يرتبط اسمها بالصين بعد عشرين سنة كما ترتبط "الأقواس الذهبية" بالولايات المتحدة اليوم. كما لا يبدو ان الشباب البراق في شنغهاي وبكين يعير اهتماماً. فهم أكثر انشغالاً بتصفح الإنترنت على اجهزة الكمبيوتر من نوع ماك وارتشاف قهوة "اللاتيه" في العشرات من مقاهي ستاربكس التي انتشرت خلال العامين الماضيين.
من المفارقة اللافتة عن الصين الجديدة هي انه على الرغم من كل النمو الاقتصادي والنفوذ السياسي المتزايد فان الكثيرين - لا سيما الشباب – يبدون في قمة الرضا باتباع الأساليب الغربية التي تهددها حكومتهم في الظاهر.
ينطبق هذا الوضع بصفة خاصة على شنغهاي، وهي القلب الثقافي التقليدي لشرق آسيا، والتي سرعان ما استعادت صورتها الأنيقة بعد أن مزقها الاحتلال الياباني وكوارث الماويين. على "بند"، وهو شارع جميل يلتف حول ضفاف نهر اليانغتسي التي كانت قد هجرت فنون الديكور والكلاسيكية الحديثة تعج الآن بالنقاشات واصوات تلامس القوارير بينما يستعرض الفائزون في عرض نهضة الصين مؤخراً أموالهم.
نساء يحملن حقائب جلدية للرياضة ماركة "غوتشي" وحقائب يد، ورجال يرتدون بدلات أنيقة وهم يعقدون الصفقات عبر أجهزة الآي فون.. باختصار تبدو الصين وكأنها بلد ينتقل، وليس تجارياً فحسب، من احدى محطات القطار الحديثة بحيث انها تجعل محطة "تمبل ميدس" في مدينة بريستول البريطانية تبدو وكأنها كوخ من القرون الوسطى، استقلينا وفي الوقت المحدد احد أسرع القطارات في العالم خلال مجمعات الشقق السكنية ودخان ضواحي شنغهاي باتجاه الشمال نحو بكين. وهي رحلة كانت تستغرق 22 ساعة من السفر المضني والتي اُختصرت الى 5 ساعات فقط من السفر المتحضر. كما أن سائقي سيارات الأجرة لا يبدون أقل اهتماماً بسرعة الوصول الى مقاصدهم. فبعد بعض المشاوير المؤذية عبر شارع من اتجاه واحد ومن خلال فجوات كحد السيف بين سيارة الأجرة والشاحنات القادمة، اني متأكد أنه سيكون لي العذر في تبليل حفاظاتي تحت بنطالي، كما أخذت المزيد من الحذر بوشم فصيلة دمي على ساعدي.
مع ان الصينيين لا يبدون نفورين بصورة خاصة من استعراض الوظائف الجسدية على الشارع بصفة عامة، (على الرغم من انه لم تعجبني كثيراً مهمة طويلة في منجم للملح بمنشوريا). خاصة في الشوارع الأقل تنوعاً بالناس في بكين، فعادة ما أرى السكان المحليين وهم يبصقون بحرارة على الرصيف، وكان ان اخطأت سيدة كبيرة في السن حذائي بمسافة قصيرة وأنا أجلس على إحدى الأرائك متعافياً من مشوار مرعب آخر بسيارة أجرة.
واتضح فيما بعد أنه بسبب أن الطب التقليدي الصيني يقضي بأن ابتلاع البلغم غير صحي، لكن مثل هذه المواقف تشير، وخاصة في العاصمة، الى ان القيم التي تحظى باحترام الوقت في الصين لا تموت مثلها مثل محبي موسيقى الجاز في شنغهاي لأول وهلة.
يبدو أن هذا السلوك لا يقتصر على المارة الذين كثيراً ما يبدون حذرين (إن لم يكونوا متشككين) من الغرباء، بل يمتد الى الحزب الشيوعي ذاته. فبينما نجح الحزب في الدعاية بوصفه يضم حكاماً لطفاء يحكمون مجتمعاً مسالماً ومفتوحاً، إلا أن هذا القناع قد سقط بصورة فاضحة في المتحف الوطني، حيث لا يوجد أي ذكر للنتائج الكارثية للقفزة العظيمة للأمام التي حدثت في الصين. بينما نجد هناك اشارات متواصلة للأثر الحاقد "للرجعيين" سواء كان ذلك في مظهر القوى الغربية "الإمبريالية" أو "خدمهم الوطنيين المنفيين في تايوان"، فهذه ملحة من ناحية أخرى. وبصورة بارزة أكثر قطع تقرير «السي ان ان» عن القمع الأخير لمواطنين من سكان التبت الأصليين فجأة وظلت الشاشة سوداء بصورة تدعو للتشاؤم لدقيقة ونصف، بينما ينتظر المراقبون الذين لا تظهر وجوههم انتهاء التقرير غير المرحب به على ما يبدو.
مع نمو الطبقة الوسطى في الصين بصورة أسرع من ذي قبل وتواصل تحسن الظروف الاقتصادية للشعب الصيني، فيجب القول إن جزءا من ذلك يرجع للحزب الشيوعي- ويفترض تزايد خطر مثل هذه الرقابة الشديدة.
ذلك المتحف الذي يمجد قيم الصين يقع في الجزء الغربي من ميدان تيانامين، ولا شك أن تلك مفارقة لا تفوت على اللجنة المركزية للحزب.
في الوقت الراهن فان مشاهدة النهضة المذهلة لهذا البلد المتناقض تظل مُبهرة لمن هو بالخارج، لا سيما إن كانوا ممن يلتهمون نوغات الدجاج وآيس كريم الماكفلري وهم يقومون بذلك.