سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

أتراك وألمان

استمع إلى المقالة

العالم يتغيّر من دون استئذان، والمتغير الأهم يكون عادة في هدوء وعن طريق الاقتراع، وليس بالقوة. وقد أدى فوز اليمين المتطرف في ألمانيا أخيراً إلى الخوف من أنه سوف يكتسح لاحقاً في كل أوروبا، وأن العالم سوق ترى أمامها ما لا يُصدَّق: مارين لوبن رئيسة في قصر الإليزيه.

ألمانيا كانت دائماً النذير في التحولات... هي التي تعبر عن رياح التعبير في الصورة الأكثر تطرفاً... هي التي انتقلت ذات مرة، ونقلت معها العالم إلى النازية دفعة واحدة ثم الحرب العالمية.

أوروبا مثقلة بالقضايا الصعبة... قضية المهاجرين، وقضية التحجيم التي أثارها في وجهها دونالد ترمب. وخسائر اليسار والوسط.

وقد أثارت الأزمة العامة المشاعر العنصرية الكامنة كما في فرنسا والجزائر، أو قضية الألمان من أصل تركي. وبعكس بقية أوروبا تاريخياً، فإن العلاقة التركية الألمانية مرَّت بمراحل جيدة في الحقبة العثمانية.

يظهر عنصر القوة هذا في وقت تفيق فيه الجذور الإمبراطورية في أشكال عدة، وتعثر تركيا على امتداداتها في كل مكان.

إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، فإن ألمانيا اليوم هي، إلى حد ما، قوة أوروبية كبرى ودولة ما بعد العثمانية في آن واحد؛ فهي موطن لأعداد كبيرة من السكان، وليس فقط الأتراك، قادمين من مختلف الأراضي العثمانية السابقة، بما في ذلك يوغوسلافيا السابقة، والمجر، ورومانيا، واليونان، وألبانيا، وبلغاريا، وقبرص، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، ومصر، وتونس، والجزائر. ويبلغ عدد الأشخاص ذوي «الخلفية ما بعد العثمانية» في ألمانيا، بمن فيهم ما يقارب 3 ملايين شخص من أصل تركي، أكثر من 7 ملايين نسمة، أي ما يقل قليلاً عن 10 في المائة من السكان. ويشمل هذا الرقم أيضاً «الألمان العِرقيين»، الذين تعود جذورهم إلى أماكن مثل رومانيا وصربيا وفلسطين والقوقاز.

وكما يوحي هذا، فإن التاريخ الألماني متشابك بشكل وثيق مع التاريخ التركي، ويمكن القول إنه أكثر تشابكاً منه مع تاريخ أي دولة أخرى في أوروبا باستثناء النمسا.