د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

حين تتقدم السوق وتتراجع الجامعة... تخسر الدولة

استمع إلى المقالة

ثمة تصور شائع في النقاش حول إدارة الجامعات يَفترض أن منطق الشركة في إدارة رأس المال الاقتصادي يصلح أيضاً لإدارة رأس المال المعرفي بالأدوات والعقلية التجارية ذاتها. وينطوي هذا الافتراض على إشكالية عميقة، لأنه يساوي بين مؤسستين تختلفان في الغاية، وطبيعة الإنتاج، ومعايير النجاح. وقد تمتد نتائجه من إضعاف الوعي الجمعي والممارسة التعليمية إلى تقليص قدرة الدولة على إنتاج المعرفة التي تحتاج إليها في التنمية وصناعة القرار.

وقد كشف سقراط مبكراً عن جوهر هذا الاختلاف حين ربط المعرفة بالفضيلة والتنوير، فرأى أن الجهل ليس مجرد نقص في المعلومات، وإنما مصدر للشر وتقويض للخير العام. لذلك لم يجعل تكديس الثروة معياراً للفضيلة، وقال إن «المال لا يجلب الفضيلة، وإنما ينبغي أن تكون الفضيلة هي الطريق إلى المال». وكم من ثراءٍ عجز عن أن يهب صاحبه فضيلةً أو يرفع في خُلُقه قدراً. ومن هنا يظل نشر المعرفة معياراً أصيلاً لبناء الإنسان والمجتمع، وتعميق الحس الأخلاقي، وترسيخ التربية السليمة، بما يجعل قيمتها أوسع من أن تُختزل في عائد مالي أو اقتصادي مباشر.

وعلى هذا الأساس تختلف الجامعة عن المؤسسة التجارية في الغاية، وطبيعة الإنتاج، ومعايير النجاح. فالشركة تقيس نجاحها بالعائد المادي، وسرعة الاستجابة للسوق، بينما تقيس الجامعة نجاحها بما تنتجه من معرفة علمية، وما تبنيه من كفاءات وطنية، وما يضيفه البحث العلمي من رأسمال معرفي وأخلاقي يعزز تنمية المجتمع وقوة الدولة. وتكشف إسرائيل عن أهمية هذا الفارق في نموذج لا تُدار فيه جامعاتها بمنطق السوق وحده، إذ بلغ إنفاقها على البحث والتطوير العلمي نحو 6.8% من ناتجها المحلي عام 2024، متقدمةً على الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، واليابان. وهذه المفارقة تعني أن إخضاع الجامعة لمنطق إدارة الشركة قد يُضعف قدرتها على إنتاج المعرفة، ويهمِّش قوتها النوعية، ويحدّ من تحولها إلى مصدر للقوة الاقتصادية والتقنية والاستراتيجية للدولة.

ويمتد هذا التباين إلى الزمن الذي تُقاس فيه النتائج. فقد جرت العادة على أن السوق تكافئ الإنجاز السريع والقابل للقياس، بينما تعمل الجامعة بمنطق تراكمي بعيد المدى، وقد لا تظهر ثماره إلا بعد سنوات. فتكوين باحث متميز، أو ابتعاثه إلى جامعة عالمية، أو بناء مدرسة علمية، أو تطوير برنامج بحثي استراتيجي، كلها استثمارات طويلة الأجل. ويكفي أن مشروع الجينوم البشري استغرق أكثر من عقد، وأبحاث لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال امتدت لعقود، بينما تجاوزت دراسة «دنيدن» في علم النفس نصف قرن من تتبع السلوك والنمو الإنساني. وفي علم السياسة، يستمر مشروع «ارتباطات الحرب» منذ عام 1963 في بناء المعرفة الكمية حول الحروب والصراعات الدولية. ومن ثم فإن إخضاع الجامعة لمنطق السوق وضغط النتائج العاجلة قد يدفعها إلى تحسين المؤشرات الآنية على حساب بناء المعرفة والقدرات التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع مستقبلاً، كما قد يهدر جانباً من الاستثمار الضخم الذي أنفقته الدولة على الابتعاث حين لا يُستفاد من خبرات العائدين في تطوير الجامعة والبحث العلمي.

ويقودنا هذا التباين إلى إشكالية أكثر عمقاً تظهر في مجال البحث العلمي. فآليات السوق تميل غالباً إلى تمويل المشاريع التي تَعِدُ بنتائج عملية سريعة وعائد اقتصادي يمكن توقعه، بينما ينشأ كثير من النهضات العلمية من أبحاث لم تكن فائدتها الاقتصادية واضحة عند بدايتها. كما تُنتج العلوم الاجتماعية والسياسية والإنسانية معرفةً ضرورية لفهم الدولة، والمجتمع، والتحولات الديمغرافية، والهوية، والأمن، والعلاقات الدولية. وقد تكون هذه المجالات محدودة الجاذبية التجارية، لكنها بالغة الأهمية للدولة التي تحتاج إلى معرفة مستقلة لفهم واقعها وصياغة سياساتها واستراتيجياتها العامة.

ومن هنا يكتسب الموضوع بعده السياسي. فحين تضعف قدرة الجامعات على إنتاج المعرفة، يزداد اعتماد الدولة على بيوت الخبرة المستوردة ومراكز الدراسات الخارجية والنماذج الجاهزة في تفسير مجتمعها وقضاياه، كما تصبح أكثر عرضة للاعتماد والاختراق المعرفي الخارجي بسبب هشاشة بنيتها المعرفية. ومع مرور الوقت يتجاوز ضعف الجامعة المجال التعليمي ليصبح مسألة تتصل بالسيادة المعرفية، لأن الدولة التي تعجز عن إنتاج المعرفة التي تفسر بها واقعها قد تجد نفسها مضطرة إلى صناعة قراراتها بأدوات معرفية أنتجها الآخرون.

وتظهر مفارقة أخرى عندما تنتقل عقلية القطاع الخاص إلى الإدارة الجامعية على افتراض أن إدارة رأس المال المعرفي امتداد لإدارة رأس المال الاقتصادي. فقد يُرفع شعار «الحوكمة»، وترشيد الإنفاق، والكفاءة المالية، في الوقت الذي يتضخم فيه الإنفاق الإداري على الرواتب، والهياكل، والمكافآت، والمبادرات التي لا تقابلها زيادة مماثلة في البحث، أو الابتكار، أو الإنتاج العلمي القابل للتحول إلى قيمة اقتصادية أو صناعية. وقد يكون هذا التضخم مفهوماً في شركات مالية تدير رؤوس أموال ضخمة وتتعامل مع أسهم ومخاطر سوقية عالية، حيث ترتبط المكافآت بحجم العائد، والمخاطر، والنتائج المالية المباشرة، إلا أن الجامعة تعمل في بيئة مختلفة تقوم على إنتاج المعرفة، وتراكم الخبرة العلمية، وليس بحجم العائد المالي.

ويزداد الخلل حين تتقدم إلى مواقع القيادة كوادر قادمة من بيئات الشركات والقطاع الخاص، حيث تكون في الغالب محدودة التجربة في المجال الأكاديمي، بينما يتراجع وزن أساتذة أمضوا عقوداً في التحصيل العلمي، والبحث، والتدريس، وبناء المعرفة، وظلوا يتطلعون إلى خدمة المؤسسة التي ابتعثتهم وأفنوا فيها الجزء الأكبر من حياتهم المهنية. وتكتمل المفارقة حين تفوق رواتب ومكافآت بعض هؤلاء القادمين من القطاع الخاص ما يتقاضاه أساتذة راكموا عقوداً من الخبرة العلمية، وقضوا سنوات من الاغتراب في بلدان الابتعاث برواتب محدودة، وتحمّلوا في أثناء سنوات الابتعاث تضحيات شخصية ومهنية، وفوّتوا فرصاً استشارية ومالية. وهنا يصبح التفاوت تعبيراً عن إشكالية أعمق في تقدير رأس المال المعرفي، ومكانة الخبرة الأكاديمية، داخل المؤسسة التي يفترض أن تقوم عليها.

ولا يقف اختلال أولويات الإنفاق عند الرواتب والمكافآت، وإنما يظهر أيضاً فيما يُحرم منه الإنتاج العلمي نفسه. فقد يحتاج عضو هيئة التدريس في الجامعة إلى سلسلة من الموافقات الإدارية للحصول على برنامج أساسي لإدارة المراجع مثل «EndNote»، فضلاً عن ارتباط توفيره بتوافر الموارد، في حين يُتاح مثل هذا البرنامج بسهولة للباحثين وطلاب الدراسات العليا في كثير من الجامعات المتقدمة. وتتسع المفارقة عند النظر إلى البيئة العلمية اليومية. ففي جامعات متقدمة تكاد الندوات، وورش العمل، والمحاضرات البحثية، تتوالى على مدار اليوم، بينما تظل محدودة في بيئتنا الأكاديمية، إلى جانب ضعف الاشتراك في بعض المجلات المتخصصة، وصعوبة متابعة أحدث النقاشات البحثية. وهنا تتجلى مفارقة الترشيد. ففي حين تتسع الموارد المالية للجهاز الإداري، تضيق أمام الأدوات والبيئة اللازمة لإنتاج المعرفة والبحث العلمي.

وفي الختام، تقتضي إدارة الجامعة منطقاً ينسجم مع طبيعة إنتاجها المعرفي، بدلاً من استنساخ منطق السوق، ويستلزم ذلك معايير مختلفة في القيادة، والإنفاق، وتقدير الخبرة. فالجامعة تحتاج إلى حوكمة تجعل الإدارة والموارد في خدمة البحث والابتكار، وتحفظ للخبرة الأكاديمية مكانتها، وتُحسن استثمار ما أُنفق على الابتعاث وبناء رأس المال المعرفي. فإهدار هذا الاستثمار يعني خسارة سنوات من التأهيل، والخبرة، والقدرة على إنتاج المعرفة، بما يضعف رصيد الدولة من الكفاءات التي تحتاج إليها في بناء قوتها العلمية والتقنية وتعزيز مكانتها الاستراتيجية.