ميرزا الخويلدي
كاتب و صحفي سعودي
TT

«مسرح التفاهة»!

استمع إلى المقالة

المسرح هو «أبو الفنون»، وأقدمها، ومرآة الشعوب، وهو الوسيط الوحيد الذي ينبض بالتفاعل المباشر بين الممثل والجمهور في المكان والزمان نفسهما، يجمع الكلمة والموسيقى والأداء الحركي والتشكيل البصري في لحظة تفاعل حية ومباشرة لا تتيحها باقي الفنون.

على خشبة المسرح التي تنبض بالوعي؛ يمارس الممثلون طرح الأسئلة، وتحريض الجمهور على التفكير والمناقشة، وإثارة القضايا المسكوت عنها، وكشف التناقضات، ومنح المهمشين صوتاً، وجعل الثقافة تجربة جماعية لا استهلاكاً فردياً.

هذا هو المسرح الذي يقوم بتعميق الوعي، وطرح التساؤلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية التي تحرك ركود المجتمع، وهو كما وصفته اليونسكو؛ تعبير عن الإبداع الإنساني وحمل انعكاسات المجتمعات وذاكرتها وتقاليدها.

في المقابل، هناك مسرح «التفاهة»، القائم على السخرية والابتذال، الذي حوّل المسرح إلى ظاهرة تعتمد على السطحية المطلقة، وإلغاء البناء الدرامي والنص الفكري، واستبدال الارتجال العشوائي بهما، والإسفاف، والبحث عن الضحكة الرخيصة السريعة. في هذا النوع من المسرح، تحول الفن من رسالة نقدية، إلى سلعة تجارية استهلاكية تُباع في الأعياد والمواسم، حيث يكون الهدف الوحيد هو زيادة مبيعات شباك التذاكر، حتى لو كان الثمن هو هدم القيم الجمالية والرقابة الأخلاقية.

في الخليج، كان المسرح الكويتي صرحاً للتنوير والنقد السياسي والاجتماعي، ولم تكن الحركة المسرحية، التي تعود بداياتها إلى عشرينات القرن الماضي، مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت جزءاً من مشروع بناء الدولة الحديثة، وترسيخ تطور المجتمع، وانفتاحه، وبناء قوته الناعمة، وكان المسرح يقود فعلياً عملية التغيير نحو الحداثة والتطور، تعتمد الحركة المسرحية على بنية تحتية راسخة، فقد كانت هناك مؤسسات، ومعاهد، وممثلون، ومخرجون، وكتاب، ومثقفون، وجمهور، ونقد صحافي، عملت جميعاً كمنظومة كاملة للمسرح.

لكن ذلك المسرح تراجع وحلّ مكانه اليوم مسرح يقدّم أعمالاً ارتجالية تسير باتجاه الابتذال، حتى وصل الأمر (في إحدى العروض الأخيرة) إلى التعدي على المحرمات الأخلاقية والمجتمعية كإهانة (الأم) والتعدي على مقامها وتحطيم صورتها وتوجيه عبارات نابية وهجومية مليئة بالبذاءة لموقع الأم التي هي خط الدفاع الأخلاقي والوجداني الأول للمجتمع. وعندما يُسقط مسرح التفاهة هيبة الأمومة أو يستغلها كمادة للتهكم والسخرية والسبّ، ينهار احترام الرموز والمقدسات الاجتماعية والإنسانية، مما يُطبّع قلة الأدب والعقوق لدى الأجيال الناشئة، ويتربى المتلقي على أن الانحطاط اللفظي والتعدي على الوالدين هما نوع من «الكوميديا»، وهو تزييف خطير للذوق العام.

لكن أيضاً ما يفعله هذا النوع من المسرح أنه يقوم بتشويه الإرث المسرحي، ويسيء هذا الإسفاف للسيادة الفنية التي بناها المسرح الكويتي على مدار عقود كمنارة ثقافية للخليج والعالم العربي.

أما القول إن هذا النوع من الإسفاف هو «ما يطلبه الجمهور»، فهو ادعاء محضّ!، الذائقة الفنية الرفيعة هي ما يريده الجمهور في منطقتنا وفي العالم أجمع. والأعمال التي تتميز بالجودة والرصانة كالتي تقدم (مثلاً) في «برودواي» في نيويورك تعدّ المعيار الذهبي للمسرح الحي عالمياً، وهي تشهد إقبالاً كبيراً وتحقق أرباحاً لا تعرفها مسارح السطحية والابتذال، فوفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن رابطة برودواي، فقد تم تسجيل نحو 14.58 مليون زيارة في موسم 2025 ـ 2026 وبلغت الإيرادات 1.91 مليار دولار، مع إشغال بلغ 90.8 في المائة من المقاعد. وكان الموسم السابق قد سجل 14.66 مليون متفرج. وفي لندن تجاوز جمهور «ويست إند» 17.1 مليون متفرج في 2024، بزيادة 11 في المائة.

ما نخسره اليوم ليس مجرد مستوى فني في المسرح، ولا مجرد نصوص ضعيفة أو عروض تنتهي بانتهاء موسمها. نحن نخسر جزءاً من ذاكرتنا الثقافية والمعرفية حين تستولي الارتجالية على المسرح، وحين يصبح الضحك غاية ولو جاء على حساب اللغة والفكرة والقيمة.

والسقوط في فخ الارتجال العشوائي والاستسهال المسرحي ليس مجرد كبوة فنية أو ظاهرة عابرة، بل هو استنزاف حقيقي لفضائنا الثقافي والمعرفي، وتنازل مجاني عن إرث إنساني وفكري شامخ بناه الرواد بالوعي والمسؤولية. وحين نُخضع الخشبة لمنطق التهريج الرخيص ونسمح بانتهاك القيم الأخلاقية التي قام عليها مجتمعنا — وفي مقدمتها احترام الأسرة وهيبة الأمهات — فإننا لا نهدم قيمة الفن فحسب، بل نُقوّض خط دفاعنا الحضاري والأخلاقي الأخير.

المسرح ليس مساحة مباحة لتحطيم كل ما استقر في وجدان المجتمع. فالتراث الإنساني الذي وصل إلينا لم يبنَ من الفراغ، بل صنعته أجيال راكمت المعرفة والقيم والخبرة، ثم تركتها لنا كي نضيف إليها لا كي نهدمها.

إن المسرح إما أن يكون منارةً تبني الإنسان وتصون ذائقته، أو يصبح معول هدمٍ يُجرّد المجتمع من أصالته ويورث الأجيال القادمة فراغاً قيمياً وخسارة ثقافية لا تُعوّض.