د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

اليمن... مواجهة لاستعادة الدولة

استمع إلى المقالة

لا تزال الحرب الإيرانية مستمرة في مساراتها المختلفة، والمسمى في الواقع يرجع إلى أن إيران كانت منبع الحرب عندما شنت «حماس» هجومها في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ وعندما حركت اذرعها الأخرى في لبنان والعراق واليمن لكي تقوم بالمساندة؛ وعندما استقبلت الهجوم الإسرائيلي - الأميركي المتوقع بالهجوم على الدول العربية الشقيقة في الخليج العربي، وشن نوع جديد من «سلاح النفط» على الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول العربية. الحرب في الواقع لم تدخل مساراً للتهدئة رغم جهود الوسطاء؛ وظلت طهران وواشنطن تتبادلان الوعيد في جبهة «مضيق هرمز»، حيث تقيم الولايات المتحدة الحصار البحري الكامل على الموانئ الإيرانية في إطار استراتيجية للحصار الاقتصادي المشدد على العنق الإيرانية. في المقابل فإن إيران تضع نَفَسها كلية في الساحات اللبنانية والعراقية واليمنية حيث الميليشيات غير الوطنية تضيف حروباً أهلية وإقليمية، بعد أن بذلت الجهود الطائلة في تقويض الدولة الوطنية ذات المشروعية الدولية.

الآن أصبحت «اللحظة اليمنية» تسير في الاتجاه العكسي، واستعادة السلطة السياسية الشرعية لمكانتها وسيادتها التي لا تسمح بكيانات سياسية تحمل السلاح والسيطرة على الأرض خارج نطاق الدولة وسيادتها. الآن أصبح اليمن مقسماً إلى الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً والمعترف بها في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وبقية العالم؛ بينما يوجد الحوثيون على جبهة أخرى. الوضع هكذا يضع اليمن على أول درجات السلم التي تتيح للدولة أن تستعيد ليس فقط سيادتها، وإنما أكثر من ذلك تستعيد الوحدة اليمنية مرة أخرى. القيادة اليمنية أصبحت واقعة في قلب هذه اللحظة التاريخية في استعادة الهوية اليمنية، حيث وقفت القيادة السعودية بحزم وشرف مع بقاء الدولة اليمنية واستمرارها في إطار من المشاركة بين اليمنيين بمن فيهم المشاركون في المجلس الانتقالي اليمني، الذين بات عليهم الحوار حول موقع الجنوب اليمني في الدولة الوطنية اليمنية، ولكن مع الحفاظ على الدولة اليمنية الوطنية الموحدة.

اليمن الوطني الموحد مع «التحالف العربي» يقف الآن لرد كيد الحوثيين - الذين نصبوا أنفسهم حراساً على التجارة الدولية والبحر الأحمر ومضيق باب المندب - من أجل تأكيد حق جميع اليمنيين في دولة حرة ومستقلة وقادرة على الخلاص من التبعية الإيرانية التعيسة.

وكما حدث في مرات عديدة منذ نشوب الحروب الإيرانية فإن طهران دفعت اتجاه الحوثيين إلى القيام بهجمات غاشمة على المملكة العربية السعودية الصامدة بالقوة والقدرة، ودول عربية أخرى بالصواريخ والطائرات المسيرة. المواجهة تشهر الموقف الإيراني المضاد للدولة الوطنية العربية من خلال ميليشيات خارجة على السلطة الوطنية؛ وتدعو إلى موقف عربي موحد لمساندة الحكومة الشرعية اليمنية يستند إلى التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسية الذي قام في 30 يوليو (تموز) 2026.

المواجهة في اللحظة اليمنية هي الوقوف الحازم إلى جانب السلطة الشرعية كمقدمة لموقف عربي موحد من الميليشيات العميلة لـ»الحرس الثوري» الإيراني الذي يزعم إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقاً لرؤية إيرانية توسعية. الحقيقة هي أن معركة اليمن تشكل لحظة فاصلة في الحرب الإيرانية وتوجهاتها تجاه الإقليم العربي؛ وفي هذه المعركة تقف الحكومة الشرعية والشعب اليمني الصامد في الطليعة، ولمن يعرف فإن الزائر العربي إلى اليمن حينما يصل إلى اليمن تكون تحية الرفاق اليمنيين هي: مرحباً بكم في وطنكم الأول. الأمر فيه تذكير مباشر بالأصول الأولى لأمة العرب حيث كان العرب القحطانية قبل الاستعراب والاختلاط مع أقوام أخرى، قد بات أهلها يقولون لزائريها من العرب: مرحباً بكم في وطنكم الثاني. في هذه الحالة يكون الكرم كبيراً، والاستقبال حاراً، والمناقشات والحوارات لا تخل من ابتسامة ورقة.

المعركة الراهنة بداية استعادة دولة عربية من المخالب الإيرانية، التي تخوض معاركها على أكتاف دول عربية ناضلت طويلاً من أجل قيادة الدولة الوطنية؛ وإذا كانت الريادة في المساندة قادمة من المملكة العربية السعودية، فإن الأمر يحتاج مساندة واسعة من الدول العربية والإسلامية تحت رداء الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأحلاف الممثلة لها.