أحمد محمود عجاج
TT

المقاطعة الأوروبية الجزئية لن تردع إسرائيل

استمع إلى المقالة

أخيراً تحركت حكومةُ «العمال» البريطانية من القول إلى الفعل تجاهَ إسرائيل؛ فرئيسُ الوزراء الجديد اعترفَ قبل دخوله عتبةَ مقر رئاسة الوزراء بأنَّ حكومة «العمال» السابقة برئاسة ستارمر لم ترتقِ لمستوى المأساة في غزة، مؤكداً أنَّ ما حدث سيبقى «ندبةً في ضميرنا الجمعي». هذا الاعتراف اتبعه وزيرُ خارجيته إد ميلباند في مجلس العموم بخطاب وَصف فيه أحداثَ غزةَ بأنَّها ترقى لمستوى الإبادة الجماعية، واعتبر أنَّ سياسة الاستيطان في الضفة الغربية مرفوضة، واصفاً المستوطنين «بالإرهابيين». لم يكتفِ بهذا القدر من الانتقاد الكلامي القوي، بل اتبعه بسلسلة من الإجراءات الاقتصادية، وقبلها سلسلة من العقوبات على مستوطنين ينطبق عليهم وصف «الإرهاب» لمخالفتهم قوانينَ إنسانيةً ودولية في أراضٍ محتلة. وما يسترعي الانتباه ليس العقوبات بل مناسبة التوقيت، وشخصية وزير الخارجية، وآيديولوجية رئيس الوزراء، والبيئة الدولية. فالعقوباتُ جاءت في وقتٍ ظنَّت فيه إسرائيلُ أنَّها بمنأى عن أي انتقادات ينطوي عليها إضرار، ولم تكن تظنُّ أن تتلفَّظ بريطانيا المساهمُ الأكبرُ في قيام دولة إسرائيل، بعبارة «يرقى لمستوى إبادة»، وأن تتَّهمَ السلطاتِ الإسرائيليةَ بالسكوت على عنفِ المستوطنين. واللافت أنَّ وزيرَ الخارجية البريطاني يهوديٌّ، وبالتالي فإنَّ اتهامَه بمعاداة السامية يصبح بلا معنى، وموقفه تجاه حكومة نتنياهو مؤشر على تجاوزها كل الخطوط الحمر سواء كانت سياسية أو أخلاقية.

هذا الموقف بالذات يمكن تفهمُه نظراً لخلفية رئيس الوزراء البريطاني اليسارية والمؤيد بشدةٍ لوجود إسرائيلَ وأمنها، لكنَّه في سياق ما يجري يرى أن حكومة نتنياهو تستحق «قرصة أذن»، لأنَّها بسياسة الاستيطان تخالف القانون الدولي المُجرم لضم أراضٍ محتلة، ولممارسات تنتهك حقَّ السكان في تلك الأراضي. ورئيس الوزراء رغم أخلاقية موقفه إلا أنَّ وراءه حسابات داخلية بعدما تبيَّن له أنَّ موقف حكومة ستارمر السابقة من غزة أدى إلى خسارة مقاعد في دوائر انتخابية عمالية بامتياز. كما يدرك أن تبوء بريطانيا سياسة أخلاقية ولو نسبية، يتطلب منه الوقوف بوجه انتهاكاتٍ لا يمكن تبريرها مطلقاً، لا سيما أنَّ مُرتكبها جلبته بريطانيا لفلسطين، ومستمرة في تزويده بالأسلحة، ودعمه في محافل دولية.

هكذا تشعر إسرائيل لأول مرةٍ أنَّها في أزمة أخلاقية... وأزمة سياسية، ومعهما تعيش انتفاخاً عسكرياً غير مسبوق. ولطالما تباهت إسرائيلُ بأنَّها الدولة المسالمة، الديمقراطية الأوحد في المنطقة، والأكثر احتراماً لحقوق الإنسان، وإذ بها تتبدَّى وحشاً كاسراً، لا يقيم وزناً لقيم ولا مواثيق؛ لهذا تهاوت، وتهشَّمت سمعتُها كزجاجةٍ بلّورية لا يمكن سبكُها، إلا بجهد خارق. وتشير كل الاستطلاعات في الغرب إلى تدني التأييد لها لمعدلات لا سابق لها. وقد أظهر استطلاع «بيو» أنَّ 80 في المائة من الديمقراطيين الأميركيين لا يحملون رؤية إيجابية عن إسرائيل، وتبين في استطلاع آخر لـ«غالوب» أن 65 في المائة من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقارنة بنسبة 17 في المائة مع إسرائيل. ورغم أنَّ الجمهوريين لا يزالون يؤيدون إسرائيل فإنَّ هذا محصورٌ في فئات عمرية فوق الخمسين، بينما دون ذلك يتراجع التأييد ليصل إلى 57 في المائة. هذه الأرقام تقلق جداً صناع القرار في إسرائيل وتقلق أكثر داعمي إسرائيل في الغرب، ولها مدلولٌ سياسيٌّ يدفع حكوماتٍ في الغرب للخروج عن خط التأييد الأعمى، ونقد سياسات إسرائيل، لأنَّ الثمن السياسي الذي تخافه لم يعد كبيراً، بل أصبح انتقادُ إسرائيلَ وعقابُها مجزياً سياسياً. وبهذا السياق يمكن فهم الموقف البريطاني، ومعه تفهم مواقف دول أوروبية فاعلة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، التي أعلنت حكوماتُها إجراءاتٍ تضرُّ باقتصاد المستوطنات، وأنزلت عقوبات ضدَّ شخصيات بعضها في مهام وزارية.

هذه العقوبات رغم أهميتها تبقى في دائرة التهديد، ولا تؤثر على مسار الحكومة الإسرائيلية التي وصف وزير خارجيتها تصريحات ميلباند بأنَّها «كذب فاضح»، ولا يمكن لحكومات أجنبية تقييد عيش اليهود في أرض إسرائيل. هذا الانزعاج الإسرائيلي ليس نابعاً من تصريحات وزير الخارجية ميلباند التي كانت متزنة، ومحسوبة تماماً، بل عارض دعوات 170 منظمة مدنية طالبت بثلاثية: «المقاطعة، وعدم الاستثمار، والعقوبات»، لحمل حكومة إسرائيل على الاستسلام كما استسلم نظام جنوب أفريقيا العنصري. فالانزعاج الإسرائيلي نابع إذن من الجرأة الأوروبية، والتفكير في فرض عقوبات ناعمة، واحتمال تطورها لعقوبات تتجاوز الأراضي المحتلة لتطول قلبَ دولة إسرائيل. هذا ما تخشاه فعلاً إسرائيل، ولهذا يمكن تفهّم ردِّها العنيف، مخافةَ أن تواجهَ ما واجهه النّظامُ العنصريُّ السابق في جنوب أفريقيا.

وبما أنَّ احتمال المقاطعة الأوروبية الشاملة مستبعدٌ لكونه يضرب وجودَ إسرائيل وأمنَها الاقتصادي، فلن ترى إسرائيل مسوّغاً لوقف الاستيطان، وبالتالي ستبقى أوروبا تهدّد بعقوبات محدودة، وستستمر إسرائيل في التوسع، والفلسطينيون في التَّعرض للعنف وللتشريد، ومع الوقت لن تبقى أرضٌ لقيام دولة فلسطين، إلا إذا حدث ضغط دولي هائل.